فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٣ - الفص الرابع عشر
الفص الرابع عشر
(١) (١) يتصل موضوع هذا الفص اتصالًا وثيقاً بموضوع الفص السابق في كثير من الوجوه لأنه يبحث في مشكلة القضاء و القدر التي هي مشكلة عالم الغيب حيث التقدير الأزلي و الجبرية التي يخضع لها الوجود بأسره. و قد شرحنا في مواطن أخرى من هذا الكتاب معنى «سر القدر» و ما يتصل به من بعض المسائل، و لكننا لم نشر بعد إلى الصلة بين القضاء و القدر، و لا بين القدر و مسألة الخلق، كما أننا لم نتعرض لذكر معرفة الإنسان بعالم الغيب و مدى إمكان هذه المعرفة. و هذه كلها أمور يناقشها المؤلف في هذا الفص.
و قد صوِّر لنا عُزَيْراً في صورة النبي الذي ينشد المعرفة بعالم الغيب عن طريق الوحي و يطلب الاطلاع على سر القدر، و ساق لنا الآية التي أخبر اللَّه عز و جل فيها عن عزير أنه قال في قرية من القرى «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟»، مظهراً بذلك شكه و عَجَبه، و مستلهماً من اللَّه حكمته الأزلية في إماته القرية. ثم بيَّن أن العلم بسر القدر ليس مما يوحَى به إلى الأنبياء، و إنما هو أمر ينكشف للعارفين من الأولياء انكشافاً ذوقياً، و هنا نراه يقابل بين الأنبياء و الأولياء من جهة، و بين علم الأولين و معرفة الآخرين من جهة أخرى.
و الحقيقة: أن مسألة عزير عن القرية ليس لها كبير صلة بموضوع الفص و لكنه يتخذ الآيات القرآنية الواردة فيها أساساً يبني عليه آراءه في القضاء و القدر و يخرج منها المعاني الفلسفية و الصوفية التي يريدها.
(٢) «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» (قرآن س ٦ آية ١٥٠).
(٢) أي فللّه الحجة البالغة على عباده، لأنهم استحقوا الثواب و العقاب بذواتهم،