فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٣ - الفص الحادي و العشرون
الفص الحادي و العشرون
(١) (١) يختلف هذا الفص عن غيره من فصوص الكتاب في أنه لا ذكر فيه- إلا في عنوانه- للنبي الخاص الذي تنسب إليه حكمته. و قد جرت عادة المؤلف في الفصوص الأخرى أن يجعل محور كلامه في كل فص حول مناقشة بعض الآيات القرآنية الواردة في حق النبي المنسوب إليه حكمة الفص، و أن يشرح- على لسان النبي المزعوم- أسرار الحكمة التي يريد شرحها. و لكنه في الفص الذي نحن بصدده يغفل تمام الإغفال اسم زكريا النبي كما يغفل جميع الآيات القرآنية الواردة في حقه. نعم هناك إشارة غير مباشرة إلى قوله تعالى في سورة مريم: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» حيث يتكلم المؤلف عن الرحمة الإلهية و من ذكرته الرحمة و من لم تذكره، و لكنه لا يذكر اسم زكريا صراحة و لا يذكر الآية. و الظاهر أن هذه الإشارة البعيدة إلى الآية المذكورة قد أثارت في نفسه كل هذا الكلام الذي يفيض به الفص عن الرحمة و معناها و أنواعها و أثرها في الوجود.
(٢) «اعلم أن رحمة اللَّه وسعت كل شي ء وجوداً و حكماً».
(٢) سبقت الإشارة مراراً إلى المعنى الخاص الذي يستعمل فيه ابن عربي كلمة «الرحمة»، فإنه لا يقصد بها الشفقة على العباد و لا غفران المعاصي للعاصين، و إنما يريد بها النعمة السابغة الشاملة التي أسبغها اللَّه على الوجود بأسره، أو هي بعبارة أخرى منح كل موجود وجوده الخاص به، و إظهار حكمها فيه بإظهار الصفات الوجودية التي يتميز بها كل موجود من غيره. و سواء أ كان الوجود بالقوة أو بالفعل، بسيطاً أو مركباً، خيراً أو شراً، طاعة أو معصية، فالرحمة