فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٥٠ - الفص الرابع
من المجموع في المجموع» ليست الكثرة الوجودية إلّا صوراً للمرايا الأزلية التي ترى فيها ذات الحق و صفاته و أسماؤه. و هذه المرايا الأزلية هي الأعيان الثابتة للموجودات و هي على ما هي عليه من العدم- ما شمَّت رائحة للوجود الخارجي، لأنها ليست سوى صور معقولة في العلم الإلهي. فالكثرة الخارجية إذن- إن قلنا بوجودها- حقيقة واحدة في جوهرها، أو هي مجالٍ كثيرة لحقيقة واحدة.
فالعلو إذن ليس قاصراً على شي ء دون شي ء- لأن كل شي ء مظهر للحق العلي- بل هو صفة عامة لجميع الأشياء، و لكن في ذات واحد. و لذلك قال: «فما في العالم (أي في جملته) من هذه الحيثية- أي من ناحية وحدته الذاتية- علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة.
و إذا كان الأمر على ما وصفنا، و أن الوجود كله حقيقة واحدة: إن نظرنا إليه من وجه قلنا إنه حق و إن نظرنا إليه من وجه آخر سميناه خلقاً. أو إن نظرنا إليه من حيث الذات قلنا إنه واحد، و إن نظرنا إليه من حيث الصفات و الأسماء قلنا إنه كثير و متعدد، و إذا كان الأمر كما قلنا: إن نظرنا إلى الوجود من حيث وحدته قلنا إنه عليٌّ بالذات، و إن نظرنا إليه من حيث كثرته، قلنا إنه عليُّ بالإضافة. أقول: إذا فهمنا كل ذلك أدركنا لم وُصِف الحق بالأضداد و لِمَ وُصِفَ أي شي ء في الوجود بالأضداد. تقول في الحق إنه كذا من الموجودات- أي من حيث تعينه- و ليس بكذا، أي من حيث ذاته. فهو هو بتقييده، و ليس هو بإطلاقه. و كذلك الحال في صفات الأضداد التي وُصِفَ بها الحق، كوصفه بأنه الأول و الآخر و الظاهر و الباطن.
فهو الأول و الباطن من حيث الذات، و هو الآخر و الظاهر من حيث الصفات و الأسماء، أو هو الأول و الباطن من حيث وحدته، و هو الآخر و الظاهر من حيث كثرته. و هذا هو معنى قول أبي سعيد الخراز: «إن اللَّه لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد».