فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦٨ - الفص الثاني و العشرون
عين من أعيان الممكنات تبدو في المرآة (الذات الإلهية) في صورتها الخاصة- أو يبدو الحق الظاهر بها في صورتها الخاصة- فيعرفه من يعرفه و ينكره من ينكره. أما الذين يعرفون فهم الذين يرون في المرآة صورة اعتقادهم كما يرى الناظر إلى المرآة صورة نفسه فيها فيعرفها. و أما الذين ينكرون فهم الذين يرون في المرآة صورة اعتقاد غيرهم كما يرى الناظر إلى المرآة صورة غيره فيها فيجهلها.
و هكذا يفسر ابن عربي الأثر الوارد من أن اللَّه سبحانه يتجلى يوم القيامة في صورة فيُعرَف ثم يتحول في صورة أخرى فيُنكر، ثم يتحول عنها في صورة فيعرف، و هو هو المتجلي في كل صورة.
و كما أن صور المرآة لا وجود لها في الحقيقة، كذلك صور الممكنات في مرآة الوجود الحق لا وجود لها في الحقيقة، إذ لا وجود إلا للمرآة- في حالة المثال- و للذات الإلهية- في حالة الممثل.
هذا و قد فسر القاشاني (ص ٣٦٣- ٤) قول المؤلف «و ليس في المرآة صورة منها جملة واحدة» بمعنى أنه ليس في المراة صورة واحدة من تلك الصور هي مجموع تلك الصور جملة واحدة، لأن المرآة لا يوجد فيها إلا ما قابلها و هو الصور الكثيرة. و فسرتها أنا بمعنى أنه لا يوجد في المرأة صورة واحدة على الإطلاق.
و يلاحظ أن الذات الإلهية المشبهة بالمرآة الظاهر فيها الصور، إنما هي الذات الإلهية المتجلية بالأسماء، أي الذات كما ندركها في صور الموجودات أو في صور الأسماء الإلهية الظاهرة في هذه الموجودات، إذ كل اسم من الأسماء الإلهية إنما هو بالنسبة إلى صور الموجودات التي يتجلى فيها كمرآة بالنسبة للصور الظاهرة فيها. و لذلك أشار في كلامه إلى المرايا بالجمع، يريد الأسماء الإلهية، لا إلى مرآة واحدة. أما الذات الإلهية من حيث هي، أو من حيث تجليها الذاتي، فإنها لا تعرف و لا تنكر و لا يقال فيها انها تظهر فيها صور الوجود:
فهي في ذاتها منزهة عن كل صورة و كل تعين. و هذا في نظر المؤلف معنى وصف