فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٠ - الفص الثاني و العشرون
هنالك بقاء إذن بعد الموت: بل بقاء لصور أعيان الموجودات في حدودها و حقائقها: و لكنه بقاء المتعين في اللامتعين و المقيد في المطلق. و لكن على أي نحو يكون هذا البقاء؟ أ هو بقاء يحتفظ فيه الفرد بفرديته؟ هل تبقى الممكنات بعد فناء صورها المحسوسة أموراً معقولة صرفة: عقولًا أو أرواحاً؟ هذه أسئلة لم يجب عنها ابن عربي إجابة صريحة، و لكن لنا أن نستنتج من أقواله أنه أميل إلى الاعتقاد بأن الوجودات الجزئية الخاصة عند ما ترجع إلى الوجود العام بعد فناء صورها المحسوسة لا تفقد فرديتها و شخصيتها.
(١١) «و الدليل على ذلك: و ما رميت إذ رميت و لكن اللَّه رمى».
(١١) أي و الدليل على ظهور الحق في صور أعيان الممكنات و أنه هو- لا هذه الصور- الفاعل لكل شي ء و المؤثر في كل شي ء قوله تعالى في حق نبيه محمد (صلى اللَّه عليه و سلم): «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى » (قرآن س ٨ آية ١٧)، فإنه قد نفى الرمي عن الصورة المحمدية أولًا، ثم أثبته لها وسطاً في قوله:
«إِذْ رَمَيْتَ» ثم عاد فنفاه عنها و أثبته للَّه في قوله: «وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى ». فالرامي على الحقيقة هو الحق و لكن في صورة محمدية. و لم يثبت الرمي للصورة من حيث هي صورة، بل من حيث هي مجلى للحق يظهر الحق الأثر على يديها. و كذلك الحال في كل عين من أعيان الممكنات: فإن لكل منها وجهاً إلى الحق يعطيها صفة الفعل و التأثير و البقاء و وجهاً إلى الخلق يعطيها صفة الانفعال و التغير و الفناء.
هذا، و يلاحظ أن الصوفية من أصحاب وحدة الوجود قد استغلوا هذه الآية و ما ماثلها إلى أبعد حد و اتخذوها أساساً لمذهبهم. و ليس من شك في أن في القرآن آيات لو أخذت على ظاهرها لجاءت نصاً صريحاً في وحدة الوجود، و لكن مقصود هذه الآيات شي ء و ما يرمي إليه أصحاب وحدة الوجود شي ء آخر.
(١٢) «فإما عالم و إما مسلم مؤمن».