فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧١ - الفص الثاني و العشرون
(١٢) بعد أن أورد قوله تعالى: «ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى » شاهداً على مذهبه في وحدة الوجود، قال إنه ينبغي لكل مسلم أن يصدق بهذه الآية لورودها في القرآن الذي يجب أن يصدق به. بل يجب أن يصدق بها سواء أدرك مغزاها أم لم يدرك. أما الذي يدرك مغزاها الحقيقي فهو الصوفي صاحب الذوق الذي يعلم كشفاً و ذوقاً وحدة الوجود، و هذا هو الذي أشار إليه «بالعالم».
و هذه أول مرة يستعمل فيها كلمة «العالم» بدلًا من «العارف». و أما الذي لا يدرك المغزى الحقيقي للآية، بل يصدق و يؤمن بها كما وردت، فهو المسلم المؤمن الذي يأخذ بالآيات كما جاءت و لا يحاول تأويلها و صرفها عن ظاهرها: فهو يسلم بأن اللَّه يرمي و لو لم يدرك على أي نحو يرمي، و يسلم بأن اللَّه ينزل إلى السماء و يجي ء و يتكلم، و أن له وجهاً و يداً و نحو ذلك من غير أن يدرك حقيقة معاني هذه العبارات. و هذا هو موقف المشبهة و الحشوية من المسلمين.
بقيت طائفة ثالثة لا هي بالصوفية أصحاب الأذواق و لا بالمؤمنين الآخذين بظاهر الآيات، و هؤلاء هم المتكلمون أصحاب النظر الذين يؤولون هذا النوع من متشابه الآيات و يحتكمون إلى العقل وحده و لكن العقل وحده في نظر المؤلف قاصر عن أن يدرك حقيقة الوجود على ما هي عليه، و كثيراً ما يحيل أموراً يكشف عنها الذوق و يخبر بها ظاهر الشرع كما سيذكره المؤلف فيما بعد. و من هنا كان أخذ العلم بالحقائق عن الذوق، و التسليم بما ورد في الشرع على ظاهره أسلمَ و أبعد عن الشك و الحيرة من الاحتكام إلى العقل.
(١٣) «و مما يدلك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره كون العقل يحكم على العلة أنها لا تكون معلولة لمن هي علة له».
(١٣) هذه إحدى المسائل التي يحكم العقل باستحالتها لمناقضتها لما يعتبره الفكر أولياً بيِّناً بذاته، مع أن التجلي و الكشف الصوفي يقضيان بصحتها: و العلة