فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٣ - الفص السابع و العشرون
وجود الذات الإلهية و الإرادة و قول كن. قال تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[١]. و هذا يقتضي وجود فردية ثلاثية في الشي ء المخلوق لكي يتم خلقه، لأنه يقتضي شيئية الشي ء المخلوق و سماعه أمر التكوين و امتثاله ذلك الأمر.
هكذا ينظر ابن عربي إلى التثليث، و يعتبره المحور الذي تدور حوله رحى الوجود، و الأساس الذي ينبني عليه الخلق و الإنتاج أياً كان نوعه، أي سواء أ كان في العالم المادي أم في العالم الروحي أم في عالم المعاني. و لذلك ذكر الدليل المنطقي- و هو القياس- و قال إنه ينتج لأنه ثلاثي التركيب، فإنه لا بد فيه من ثلاثة حدود هي الحد الأكبر و الحد الأصغر و الحد الأوسط، و ثلاث قضايا هي المقدمة الكبرى و المقدمة الصغرى و النتيجة. و لما كان الدليل ثلاثي التركيب، و كانت دلالته على مدلوله ذاتية مباشِرَةً من غير حاجة إلى شي ء آخر خارج عنه، و هو المراد بقوله: «و الدليل دليل لنفسه»، شَبَّه الحقيقة المحمدية المثلثة الأركان، من حيث دلالتها على ربها، بالدليل المنطقي المثلث الأركان، من حيث دلالته على مدلوله. و الحقيقة المحمدية أول دليل على ربها، لأنها المظهر المعقول الجامع لجميع حقائق الأسماء الإلهية، الظاهرة في الجنس البشري، بل في العالم أجمع.
و إذا كان كل موجود دليلًا على ربه من حيث هو مظهر خارجي تتجلى فيه كمالات ربه، فمحمد أول دليل على ربه، لأنه الصورة الجامعة التي تتجلى فيها كل هذه الكمالات. قال تعالى: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» (البقرة آية ٣٠): و معنى علمه الأسماء كلها في عرف ابن عربي أظهر فيه معاني الأسماء الإلهية كلها. أما محمد (الحقيقة المحمدية) فقد أعطي حقائق تلك الأسماء، و هي التي يشير إليها ابن عربي بجوامع الكلم. فإذا كان آدم هو الإنسان الظاهر المتعين بالوجود الخارجي
[١] راجع الفص ١٢، التعليق الثالث.