فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٥ - الفص السابع و العشرون
فيراه و يدركه. و المراد بالرب هنا الحق المتجلي بالأسماء الإلهية في صور أعيان الممكنات لا الحق من حيث هو في ذاته بعيداً عن كل تعين، و كل نسبة، أو إضافة إلى العالم، فإنه من هذه الناحية غني عن العالمين، منزه عن كل معرفة و إدراك. أما الحق الذي يعرف و يدرك فهو الحق الظاهر، و ليس الحق الظاهر سوى العالم: و نفس الإنسان جزء من العالم بل أكمل جزء فيه. فمن عرف نفسه عرف ربه على هذا المذهب معناه عرف الحق الظاهر في نفسه. و لكن هل يعرف الإنسان نفسه على وجه الحقيقة؟
إذا كان الجواب بالإيجاب، قلنا بإمكان معرفة الإنسان ربه، و إذا كان بالسلب، لاستحالة معرفة حقيقة النفس و كنهها، قلنا بامتناع معرفة اللَّه. و السبب في أن كل موجود يعرف ربه بمقدار ما يعرف من نفسه، أن لكل جزء من أجزاء العالم «أصلًا» من الذات الإلهية: هذا الأصل هو ربه، و هو الاسم الإلهي الخاص الذي يظهر فيه أثره، فهو يعرف ربه أي يعرف ذلك في الأصل نفسه. و هو يعبد ربه، أي يعبد ذلك الاسم الإلهي الخاص المتجلي في نفسه. و هو دليل واضح على ربه، لأنه مجلاه و مظهره.
(٥) «فإنما حُبِّبَ إليه النساء فحن إليهن لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه.
فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق».
(٥) قال عليه السلام: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: النساء و الطيب، و جعلت قرة عيني في الصلاة». يستغرق شرح هذا الحديث الجزء الأكبر من الفص، و يتخذ ابن عربي من مسائله الثلاث: أعني حب النبي النساء، و الطيب، و الصلاة، أساساً لكثير من أمهات المسائل الفلسفية و الصوفية التي يعرض لها. و أولى هذه المسائل مسألة الحب الإلهي.
لا عجب في نظر ابن عربي أن أحب النبي النساء، لأن المرأة جزء من الرجل، و الأصل يحن إلى فرعه، و الكل يحن إلى جزئه. و ليس حب النبي النساء إلا مثالًا