فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٢ - الفص الثامن
طبيعتهما، استحال التكرار لاستحالة اتفاق أعيان الموجودات في أحوالها.
فوجود الحق في صور الموجودات أشبه بوجود الإنسانية في أفراد الإنسان.
فزيد إنسان و عمرو إنسان و بكر إنسان، «و ما عادت الإنسانية إذ لو عادت لتكثرت، و هي حقيقة واحدة و الواحد لا يتكثر في نفسه». (قارن الفص الثاني: التعليق التاسع) و إذا فهمنا الجزاء بمعنى ما يجنيه الإنسان ثمرة لعمله، خيراً كان ذلك أو شراً، كان فيه معنى العوْد- أي أنه عاد عليه ما تقتضيه حاله مما سماه العرف في الخير ثواباً و في الشر عقاباً- و لم يكن فيه معنى التكرار، لأن جزاء كل إنسان خاص به قاصر عليه. و لما كان الجزاء لا يلاحظ فيه معنى العِوَض، بل هو ضرورة تقضي بها طبيعة الأشياء قال: (٥) «فإنها من سر القدر المتحكم في الخلائق».
(٥) أي فإن مسألة «الجزاء» جزء من القانون العام المتحكم في الخلق: و هو الذي يسميه سر القدر. و معناه- كما قلنا من قبل (التعليق الثاني و الثالث على الفص الثاني) أن ما كنت عليه في ثبوتك ظهرت به في وجودك. و ليس ما تظهر به في وجودك سوى ما يعطيك اللَّه إياه. و هكذا ندور في هذه الدائرة المغلقة التي يدور فيها ابن عربي في جميع تفكيره- و ننتهي إلى النتيجة الحتمية الآتية:
و هي أن الجزاء بالمعنى الديني لا وجود له في قاموس مصطلحاته. فلا مجازي يعطي الجزاء مراعياً عمل العبد و استحقاقه، و لا مجازىً يعطَى ما يعطاه من أجل عمله و استحقاقه.
(٦) «و الحق على وجهين في الحكم في أحوال المكلفين».
(٦) قد شرح المؤلف بعض نواحي هذه المسألة فيما سبق من هذا الفص، و في الفص الخامس حيث قرر أن الإنسان (بل كل موجود) هو الذي يعين مصير نفسه و يجلب لها السعادة أو الشقاء، و أن كل ما يترتب على أفعاله من حمد أو ذم راجع إلى عينه الثابتة التي اقتضت ظهور هذه الأفعال عنه من الأزل.