فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩١ - الفص الخامس عشر
أيضاً، فإن الخلق يغذي الحق بإظهار كمالات أسمائه و صفاته التي لم تكن لتوجد لو لا وجود الخلق. و لذلك قال:
|
«فأعطيناه ما يبدو |
به فينا و أعطانا» |
|
أي فأعطيناه الظهور و أعطانا الوجود.
|
«فصار الأمر مقسوما |
بإياه. و إيانا» |
|
أي فصار أمر الوجود منقسماً بين الحق و الخلق: إذ هو حق في خلق و خلق في حق، أو فصار المعطى منقسماً إلى ما يعطيه الحق للخلق و ما يعطيه الخلق للحق.
|
«فأحياه الذي يدري |
بقلبي حين أحيانا» |
|
الضمير في أحياه عائد على الحق، و الجار و المجرور في «بقلبي» متعلق بأحيا أو بيدري. و المعنى أن الجزء الخاص في القلب الذي له صفة المعرفة قد أحيا اللَّه في القلب كما أحيا اللَّه الناس. و معنى إحياء اللَّه في القلب إيجاد صورة له فيه من صور المعتقدات. و هذا معنى طرفه ابن عربي مراراً فيما مضى. و في ذلك قوله:
|
«لذاك الحق أوجدني |
فأعلمه فأوجده» |
|
(الفص الخامس) و قد يكون للبيت معنى آخر و هو الذي ذهب إليه «بالي» في شرحه على الفصوص إذ اعتبر الضمير في أحياه عائداً على القلب المتأخر لفظاً المتقدم معنى:
فأصبح معنى البيت على حد فهمه: أحيا قلبي بالحياة العلمية الحقُّ الذي يدري قلبي و يعلم استعداده الأزلي: فهو يحيينا بالحياة العلمية الروحية كما أحيانا بالحياة الحسية.
|
«فكنا فيه أكوانا |
و أعيانا و أزمانا» |
|
«كان» في كنا تفيد الاستمرار لا الزمان الماضي المنقطع كما في قوله تعالى:
«كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً»^. و المراد أننا على الدوام في الحق: ففيه كوننا و وجودنا و فيه دواتنا التي هي أعياننا. و هذا إشارة إلى ما يسميه أصحاب وحدة الوجود بمقام قرب الفرائض، و هو مقام الوحدة الذاتية الحاصلة بالفعل بين الحق و الخلق.