فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١ - الفص الثاني
سوى الذات الإلهية و صفاتها؟ فذاته تعالى سارية في ذوات جميع الموجودات، و صفاته هي الصور الأولى المتعينة في صفات العالم الخارجي. لهذا قسم المؤلف العطايا و المنح إلى ذاتية و أسمائية. و يستوي في مذهب كهذا أن يسأل العبد ربه أن يمنحه كيت و كيت من صفات الوجود بأن يتجلى له فيها و أن لا يسأل، فإن الحق يتجلى في كل موجود بحسب الاستعداد الأزلي لذلك الموجود لا يغيّر من ذلك سؤال و لا دعاء. و كل موجود له عينه الثابتة في الأزل يظهر وجوده الخارجي بمقتضاها. هذا هو القانون العام في فلسفة ابن عربي لا يتحول عنه قيد شعرة مهما اختلفت الأساليب التي يعبر بها عنه. من الجهل إذن السؤال أو الدعاء، فإن كل شي ء قد قدِّر أزلًا و سيكون على نحو ما قدر: طاعة أو معصية، خيراً أو شراً، حسناً أو قبحاً، اللهم إلا إذا قدر كذلك أن شيئاً ما لا ينال إلا بالسؤال أو الدعاء. أما الصوفي الكامل فلا يسأل شيئاً بل يراقب قلبه في كل آن ليقف على مدى استعداده الروحي، لأن قلب الصوفي- و هو مرآته التي التي يرى فيها تجلي الحق- يتغير في كل لحظة مع تغير التجلي الإلهي. و اللحظة التي يكون فيها الصوفي حاضراً بقلبه مع اللَّه و يدرك فيها ناحية من نواحي استعداده الروحي هي التي يسميها الصوفية «الوقت». و لذلك قالوا: الصوفي بِحُكْم وقته، و الصوفي ابن وقته.
و من الصوفية- و هم الصنف الأدنى- من يسأل لا للاستعجال و لا غيره و إنما امتثالًا لأمر اللَّه في قوله «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»: و ليس المراد بالاستجابة منح الشي ء المسئول فيه دائماً، فإن المسئول فيه لا يتحقق إلا إذا اقتضته طبيعة الشي ء نفسه و وافق السؤال فيه الوقت المقدَّر له. أما إذا اختلف الوقت فلا استجابة إلا الاستجابة بلفظ «لبَّيك» التي يفرق ابن عربي بينها و بين الاستجابة الحقيقية التي يلزم عنها منح المطلوب.
(٣) «فالاستعداد أخفى سؤال».