فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٤ - الفص الرابع عشر
فإذا نظرنا إلى الحقيقة الوجودية في جملتها قلنا إن التخلق إشارة إلى ناحية القابلية فيها، و التحقق إلى ناحية الفاعلية، و التعلق إلى النسبة بين الاثنين، فإن التعلق هو الوسيلة التي بها يصير ما بالقوة موجوداً بالفعل.
(١١) «إذ النبوة و الرسالة خصوص رتبة في الولاية».
(١١) لما كان كل نبي و كل رسول ولياً، كانت النبوة و الرسالة مرتبتين خاصتين تلحقان بالولاية و تزولان عنها بزوال أسبابهما، كما تزول عن المَلِك صفة الملكية فيرجع إلى ما كان عليه. و النبوة و الرسالة من شئون هذا العالم لاتصال أصحابهما به. أما الولاية فلا صلة لها بشأن من شئون العالم، و لذلك لم يكن لها زمان دون زمان. و سواء فهمنا خطاب اللَّه لعُزَيْر في قوله: «لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوة» بمعنى الوعد أو بمعنى الوعيد، فإن النبوة و هي إحدى مراتب الولاية- مقضي عليها بالانقطاع لأنها من الصفات التي تزول عمن يتصفون بها.
أما الولاية فلا زوال لها. فإذا أخرج هذا الخطاب الإلهي مخرج الوعد، دلّ على أن اللَّه تعالى أبقى على عُزير مرتبة الولاية التي هي مرتبة جميع الأنبياء و الرسل في الدار الآخرة التي لا تشريع فيها.
(١٢) «لما شرع يوم القيامة لأصحاب الفترات و الأطفال الصغار و المجانين».
(١٢) لما ذكر أن لا شرع و لا تكليف في الدار الآخرة، قيده بأن ذلك لا يكون بعد دخول الخلق الجنة أو النار. أما قبل الدخول في الدارين فسيكون في الآخرة تشريع و تكليف لأصحاب الفترات و صغار الأطفال و المجانين، و تكليف لبعض الخلق بالسجود بين يدي اللَّه كما يَدل عليه قوله تعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ».
أما الأطفال فسيحشرهم اللَّه في دور الرشد، و أما المجانين فسيرد إليهم صوابهم ثم يجمع الجميع في صعيد واحد و يُرسَل إليهم رسول من أفضلهم يأتي لهم بنار عظيمة و يطلب إلى من آمن به منهم أن يلقي بنفسه فيها، فيطيعه بعضهم