فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧٠ - الفص الرابع عشر
قوله: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» (قرآن س ٦ آية ٥٩). و لذلك لم يحبه إلى طلبه حيث لا إجابة على مثل ذلك، إذ لا وسيلة إلى العلم به عن طريق الوحي. و كل ما أجيب به كان برهاناً عملياً في كيفية إحياء اللَّه الموتى، تنبيهاً لعزير بأن يقطع عن مطلبه الأصلي. و لكنه ألحّ في السؤال حتى عاتبه اللَّه- كما ورد بذلك الخبر- بقوله له: «لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوة لأن طريق الأنبياء إلى العلم هو الوحي- أي و لأثبتنّ اسمك في ديوان طائفة أخرى هي أصحاب الكشف و الذوق الذين خصَّهم اللَّه بالعلم بمثل ذلك. فكأنه أراد بهذا العتاب تنبيه عزير إلى أن مثل هذا الطلب لا ينبغي أن يكون من نبي و لا أن يصدر منه على هذه الصورة، لأن ذلك ليس من علم الأنبياء، بل هو من علم اللَّه الذي قد يطلع عليه من شاء من خاصة أوليائه بطريق الكشف لا الوحي.
على أن العتب قد وقع على عزير من طريق آخر، و ذلك أنه أراد أن يقف على سرّ الخلق أي حال تعلق القدرة الإلهية بالموجودات، و لا ذوق لغير اللَّه في ذلك إذ لا قدرة و لا فعل إلا للَّه خاصة. فكأنه بهذا السؤال أراد أن يكون له ما للَّه: أي أراد أن تكون له قدرة تتعلق بالمقدور، فطلب ما لا يمكن وجوده في الخلق. و مما يدلنا على أنه طلب هذا المطلب المستحيل إلحاحه في السؤال بعد أن أراه اللَّه كيفية إحياء الموتى، و لو أنه أراد معرفة هذه الكيفية لاكتفى بالدليل العملي الذي أظهره اللَّه له، و لكنه تمادى في السؤال فعاتبه اللَّه.
(٨) «و اعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام».
(٨) أعظم ما يمتاز به الولي المسلم في نظر ابن عربي هو تحققه بالوحدة الذاتية مع الحق، و فناؤه التام فيه، و إدراكه ذوقاً أن الكثرة الوجودية عين الوحدة.
هذه أيضاً هي صفات «الإنسان الكامل» عنده، و لذلك كانت الولاية صفة عامة أو قدراً مشتركاً بين أفراد الإنسان الكامل جميعهم، لا فرق في ذلك بين ولي أو نبي أو رسول. كل هؤلاء يجمعهم عنصر واحد هو عنصر الولاية- بالمعنى الذي