فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥١ - الفص الحادي و العشرون
لا يوجد في الوجود إلا حقيقة واحدة، فمن الجهل إذن أن تدعو الحق أن ينزل بك رحمته أَو أن يهبك أي شي ء فإن الحق الذي تدعوه هو الحق الذي خلقته في اعتقادك و هو أنت و أنت هو، بل الواجب عليك أن تتحقق ما أمكنك بصفات الكمال الإلهي التي منها الرحمة و نحوها. و لكنك لن تصير في يوم من الأيام الحقَّ لأنك في الحقيقة حق أي صورة من صور الحق و مظهر من مظاهره.
فإذا قامت بك صفة الرحمة (أو أية صفة أخرى) فأظهرْها لغيرك تكن راحماً مرحوماً، و تحقق بذلك وحدتك الذاتية مع الحق. هذا معنى من معاني الحال الصوفي المعروف بحال الفناء و هو الحال الذي صاح فيه الحلاج بقوله:
«أنا الحق».
و معنى قوله: «فمن ذكرته الرحمة فقد رَحِمَ و اسم الفاعل هو الرحيم و الراحم» أن من قامت به صفة الرحمة و تحقق بها أصبح راحماً لغيره من الخلق.
(٩) «و الحكم لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجيه المعاني لذواتها».
(٩) سبقت الإشارة إلى موضوع هذه الفقرة فيما مضى من التعليقات على هذا الفص لا سيما التعليق الخامس. و المراد بالحكم هنا حكم الصفة في الموصوف كحكم «العلم» في العالم و الإرادة في المريد و نحوهما. و قد انقسمت الآراء في مسألة الصفات الإلهية إلى قسمين: رأي أهل السنة القائلين بأن الصفات لا هي عين الذات و لا هي غيرها، و رأي المعتزلة الذاهبين إلى أن الصفات عين الذات: و كلا الرأيين مخطئ في نظر المؤلف. فالصفات ليست عين الذات عنده- كما يقول المعتزلة- إلا بمعنى خاص و هي أنها نسب و إضافات بين الذات الموصوفة و بين الأعيان المعقولة للصفات. فنحن إذا وصفنا الحق بأنه «عالم» لا نقصد أن صفة العلم عين الذات العالمة، و إنما نقصد أن صفة العلم هي عين الذات المتصفة بالعلم من حيث قيام صفة العلم بها، كما تقوم الأحوال بالجواهر: أي أنها نسبة أو إضافة بين الذات المتصفة بالعلم، و بين المعنى الكلي العام- العلم. و معنى هذا أن العلم هو