فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٢ - الفص الحادي و العشرون
الصفة التي حكمت على الذات فصارت الذات من أجلها عالمة. و الإرادة هي الصفة التي حكمت على الذات فصارت الذات من أجلها مريدة و هكذا. و لا يقال إن صفة العلم أو الإرادة قد خلقت في الذات، و لا أن حكمها قد حدث أو تجدد أو وصف بأي معنى من معاني الخلق، فإن حكم الصفة في الموصوف أمر لا يوصف بالخلق و لا بالحدوث، بل يلزم من معنى الصفات لذواتها. و في هذا رد على أهل السنة الذين يتحاشون القول بأن الذات عين الصفات لئلا يسووا بين اللَّه و صفاته، كما يتحاشون القول بأن الذات غير الصفات لئلا يقعوا في تعدد القديم:
إذ صفات اللَّه قديمة كذاته. فهم لم يستطيعوا أن ينفوا الصفات الإلهية لثبوت حكمها في الموصوف، و لم يستطيعوا أن يجعلوها عين الذات، فقالوا قولتهم المشهورة: «لا هي هو و لا هي غيره». و يقول ابن عربي «و هي عبارة حسنة و غيرها أحق بالأمر منها و أرفع للإشكال و هو القول بنفي أعيان الصفات وجوداً قائماً بذات الموصوف». فمذهبه إذن أدنى إلى مذهب المعتزلة، غير أنه و إن أثبت وحدة الذات و الصفات كما يثبتون، و قال بقيام الصفات بذات الموصوف كما يقولون، لا يذهب إلى أن للصفات أعياناً قائمة بذات الموصوف، و إنما هي مجرد نسب و إضافات معقولة ليس لها وجود عيني. فهي معان قائمة بذات الحق و لكن لا أعيان لها، كما أنها لا تقوم بالذات قيام الأعراض أو الحوادث بمقوماتها.
(١٠) «و الرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، و هي الموجبة للحكم، و هي الراحمة. و الذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها، و إنما أوجدها ليرحم بها من قامت به».
(١٠) المعنى أن الحق سبحانه إذا رحم عبداً أوجد فيه الرحمة أو جعل الرحمة تقوم به بحيث يصبح قادراً على أن يرحم غيره من المخلوقات. و بذلك يصبح المرحوم راحماً. فالحق لا يوجد الرحمة في المرحوم ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفة الإلهية التي بها يرحم غيره- و هذا لا يكون إلا للكاملين من العارفين. و لا