فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٤ - الفص الحادي و العشرون
فظهور الرحمة في صور الأسماء الإلهية معناه تجليها في صور الموجودات بحسب استعدادها و قابليتها للوجود.
و مما يستدل به على عمومية الرحمة و جامعيتها أن اسم «الرحمن» قد استعمل في القرآن مرادفاً لاسم «اللَّه» في قوله تعالى «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ». و اسم «اللَّه» هو جماع الأسماء الحسنى كلها.
(١٢) «فرحمة اللَّه و الكناية هي التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ، ثم لها شعب كثيرة تتعدد بتعدد الأسماء الإلهية».
(١٢) الرحمة التي لها صفة العموم هي الرحمة المنسوبة إلى الاسم «اللَّه» أو إلى ياء المتكلم (و هي المشار إليها بالكناية) في قوله تعالى «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ».
اما الرحمة التي يمنحها اللَّه بواسطة أي اسم آخر من الأسماء الإلهية فرحمة جزئية لا تعم لأن الاسم الإلهي المتجلي فيها اسم خاص لا يعم. و إذا نظرنا إلى الأسماء الإلهية من حيث هي مجال للوجود العام أو مجال للرحمة الإلهية العامة كانت كل رحمة خاصة تظهر على يد اسم من الأسماء بمثابة الشعبة المتفرعة عن الرحمة العامة.
(١٣) «إذ المصطلح عليه بأي لفظ حقيقة متميزة بذاتها عن غيرها، و إن كان الكل قد سيق ليدل على عين واحدة مسماة».
(١٣) كل اسم إلهي حقيقة متميزة بذاتها عن حقائق الأسماء الأخرى، و من هنا استعمل لكل اسم لفظ خاص و كان له من الحكم ما ليس لغيره. و لكن الأسماء الإلهية كلها لها دلالة أخرى واحدة و هي دلالتها على الذات الإلهية الواحدة المسماة بها. و هذا هو المعنى الذي أشار إليه أبو القاسم بن قسيّ الأندلسي عند ما قال: إن كل اسم إلهي على انفراده مسمّى بجميع الأسماء الإلهية كلها. فلا بد إذن من مراعاة الدلالتين جميعاً: دلالة كل اسم على معناه الخاص، و دلالة الأسماء الإلهية كلها على الذات المتصفة بها.