فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٤٠ - الفص السابع و العشرون
(١٨) ذكرنا في التعليق السابق رأيه في أن الوجود بأسره خيرٌ في ذاته: فإن حكم على شي ء فيه بأنه شر، فذاك من قبيل العرض الصرف. و ذكرنا أن المستويات التي يحكم على الأشياء بأنها شر بالقياس إليها، هي العرف و الطبع و الغرض و الشرع و درجة من الكمال مطلوبة. و كل هذه أمور متغلغلة في العالم، في نظامه الطبيعي و الاجتماعي. فلا عجب إذن ألا يوجد موجود لا يعرف إلا الخير، و لا يجد إلا الطَّيِّب في كل شي ء لأنه لا محالة واجد شيئاً لا يلائم طبعه أو غرضه، أو لا يتفق مع عرفه أو شرعه. بل إن الأصل الذي ظهر عنه العالم- و هو الحق- يعرف الخير كما يعرف الشر، و يدرك الطَّيِّب كما يدرك الخبيث. فليست طبيعته قاصرة على إدراك الخير وحده، و لا على اعتبار الوجود بأسره خيراً لا شر فيه. يدل على ذلك أنه وصف نفسه بأنه يحب و يكره و يعذِّب و يثيب: أي يفرق بين الطَّيب و الخبيث، إذ ليس الطَّيِّب إلا ما يحب و ليس الخبيث إلا ما يكره. و قد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضاً بين هذا القول و بين ما ذكرناه في التعليق السابق، من أن الوجود في ذاته خيرٌ محض في نظر الحق. و الواقع أنه لا تعارض بينهما، لأن الحق الذي يحب و يكره، و يعذب و يثيب، هو الحق من حيث صلته بالعالم، لا الحق من حيث هو في ذاته، فإنه من هذه الحيثية الأخيرة خيرٌ محض، لا يرى في الوجود إلا خيراً. أما من الحيثية الأولى فقد ظهر برحمته في كل شي ء، لا فرق في ذلك بين الخبيث و الطَّيِّب، و هما معنيان يدركهما العباد في الوجود فيخاطبهم الحق بهما حسب إدراكهم. و العالم على صورة الحق، فلا بد له من أن يحب و يكره كذلك:
أي يدرك الخير و الشر. أما من يدعي من الناس أنه لا يدرك إلا الخير، فذلك لأنه شغل بالخير عما عداه، فظن أنه لا يوجد في الوجود إلا هو.
(١٩) «و أما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة ... إلى قوله: في الفتوحات المكية».