فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣٨ - الفص السابع و العشرون
و عبَّر عن ظهور الحق في صورة العالم باستواء الرحمن على العرش. و هو لا يقصد بالرحمن إلا معطي الوجود، و لا بالرحمة إلا الوجود الذي فاض من واهب الوجود على جميع الخلق [١].
(١٦) «و قد جعل الطيِّب تعالى في هذا الالتحام النكاحي في براءة عائشة فقال الخبيثات للخبيثين ... و الطيِّبات للطيِّبين».
(١٦) ذكر «الطيِّب» و هو ثاني الأشياء الثلاثة التي حبِّبت إلى النبي، و فسره بأنه عَرْف الوجود، رائحة التكوين. و لكنه كعادته في الانتقال من مسألة إلى أخرى لمناسبة لفْظية بين المسئلتين، ترك «الطيِّب» و أخذ يتكلم عن الطيِّب الذي هو ضد الخبيث. بل استعمل الكلمتين على سبيل الترادف. قال إن اللَّه ذكر الطيِّب (و لا يقصد به إلا مادة ط ي ب) في قصة عائشة و براءتها، عند ما أشار إلى الالتحام النكاحي بين الرجل و المرأة. و إن اللَّه هيّأه بحيث يكون بين الطَّيِّبات و الطيِّبين و الخبيثات و الخبيثين. فقوله «جعل الطيب» أي استعمله أو ذكره، و قوله «في الالتحام النكاحي» صفة للطيب، و قوله في براءة عائشة مفعول ثان لجعل. و لما كان النبي صلى اللَّه عليه و سلم أطيب الطيِّبين، لزم طيب من اختص به في الالتحام النكاحي، و انتفاء الخبث عنها بشهادة اللَّه ببراءتها.
و الظاهر أنه يعتقد صلة بين الطيِّب (الذي هو ضد الخبيث) و الطيِّب الذي هو الرائحة، على أساس أن الطَّيِّب صفة للذات، و الذات الطيِّبة لا يصدر عنها إلا الطَّيِّب من الأقوال. و الأقوال أنفاس و الأنفاس روائح أو الروائح أنفاس. و هذه صلة بعيدة جداً، و لكنها تمثِّل التواء ابن عربي أحياناً في معالجة المسائل. و الحقيقة أنه أراد أن ينتقل من الكلام عن الطيِّب إلى الكلام عن الطَّيِّب
[١] راجع ما ذكرناه في الرحمة و في قوله تعالى « وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ» في الفص السادس عشر، التعليق الثالث، و الفص الحادي و العشرين، التعليقين الثاني و الثالث.