فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٧ - الفص الخامس عشر
قبل (التعليق الثاني) من أن جسد المسيح ليس جسداً عنصرياً يخضع للكون و الفساد كسائر أجساد البشر و لكنه طبيعي نوري: أو طبيعي غير عنصري.
(١٢) «فالموجودات كلها كلمات اللَّه التي لا تنفد فإنها عن «كنْ».
(١٢) سبق أن أشرنا (التعليق الخامس) إلى أن ابن عربي يعتبر كل شي ء في الوجود كلمة من كلمات اللَّه من حيث إن الموجودات جميعها مظاهر للكلمة الإلهية أو العقل الإلهي الذي غالباً ما يسميه بالروح المحمدي أو الحقيقة المحمدية، كما يطلق عليه أحيانا اسم جبريل على نحو ما رأينا فيما سبق.
و قد سميت الموجودات «كلمات» من حيث إنها مخلوقة بكلمة التكوين «كن» هذا كلام أهل الظاهر. أما حقيقة المسألة و باطنها فالكلمة «كن» رمز للعقل الإلهي الذي هو واسطة في الخلق بين الواحد الحق و الكثرة الوجودية التي هي أعيان العالم. فهو البرزخ الذي تمر به الموجودات من وجود بالقوة- وجود معقول- إلى وجود بالفعل و هذه صفة من الصفات التي يصف بها ابن عربي ما يسميه بالكلمة» Logos «و بالحقيقة المحمدية و الإنسان الكامل و غير ذلك من الأسماء. فنحن لا نتردد إذن في القول بأن كلمة التكوين هي الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي- و لكن لا الكلمة القولية «كن» بل الكلمة الوجودية على حَدِّ تعبير شراح الفصوص. و على هذا تكون الكثرة الوجودية كلمات للَّه من حيث هي تعينات جزئية أو مظاهر للكلمة بالمعنى المتقدم.
و إذا صح لنا أن نقول إن الكلمات التي يتلفظ بها الإنسان إنما هي صور للنَّفَس الخارج من صدره، أمكننا أن نقول بالقياس إلى ذلك إن الكلمات الوجودية صور خارجية للنفس الرحماني أو للذات الإلهية. و لا يبعد أن يكون مصدر هذه التعبيرات متصلًا بالآية القرآنية: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي» (س ١٨ آية ١٠٩) و لكنني أعتقد أن الاصطلاح قد تسرب إلى مفكري الإسلام من فلاسفة الأفلاطونية الحديثة