فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٠ - الفص السادس عشر
آخر صوفياً و فلسفياً يبعده كثيراً عن المعنى المتقدم. الناس نيام في نظره: إما بمعنى أنهم في حياتهم هذه كالحالمين لا يرون من حقيقة الوجود إلا مقدار ما يرى النائم من حقائق الأشياء، و إما بمعنى أنهم كالنائمين ما داموا يدركون الوجود بوساطة حواسهم و عقولهم. فإذا ماتوا: أي فإذا ماتوا عن حواسهم و عقولهم كما هو شأن الصوفية في حالهم الخاصة المعروفة بالفناء، استيقظت فيهم أرواحهم و أدركت حقيقة الوجود بما هي عليه. كل ما في الوجود أحلام و ظلال إذا نظر إليه خلال الحواس و العقول: و لكنه أحلام يجب ردها إلى حقائقها، و ظلال يجب ردها إلى أصولها. إن الذي يدركه الحسّ إنما هو من نسج الخيال، و كل ما هو من نسج الخيال رمز يجب تأويله. فعالم الظاهر إذن خيال كله بهذا المعنى، يجب تأويله كما تؤول أحلام النائمين. أما عالم الباطن أو عالم الحقيقة فليس في متناول الحس إدراكه و لا للخيال سبيل إلى العبث به، و إنما السبيل إلى إدراكه الذوق أو الكشف الصوفي في حالة الفناء الخاصة التي يشير إليها الحديث باسم «الموت» و هو موت الحواس و حياة الروح، و موت الجهل و حياة المعرفة اليقينية الحقة، و موت الوجود الظاهري الكاذب، و حياة الوجود الباطني الحق.