فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٩٤ - الفص الخامس عشر
مجردة كانت أو غير مجردة. و لهذا اعتبر العناصر و ما فوق العناصر من أرواح علوية و ما تولد عنها، و أرواح السموات السبع، من صور الطبيعة. أما الفلاسفة المشاءون من المسلمين فالطبيعة عندهم هي القوة السارية في الأجسام، بها يصل الجسم إلى كماله الطبيعي. فهي لذلك نوع من الطبيعة الكلية كما يفهمها الصوفية.
و نسبة الطبيعة الكلية إلى النفس الرحماني كما يقول القيصري (ص ٢٦١) أشبه بنسبة الصورة النوعية إلى الجسم الكلي أو أشبه بنسبة جسم معين إلى الجسم من حيث هو.
(١٦) «و أما أرواح السموات السبع و أعيانها فهي عنصرية».
(١٦) في كلام ابن عربي شي ء من التخبط في هذا الموضوع، فقد ذكر فيما مضى ما يُفْهَم منه أن الأجرام السماوية غير عنصرية بالرغم من أنها طبيعية، و هذا هو سر بقائها و عدم خضوعها لقانون الكون و الفساد. و لكنه يقول هنا إن أرواح السموات السبع و أعيانها عنصرية لأنها تكونت من دخان العناصر الذي هو ألطف و أدق صور المادة. و قد وردت كلمة «الدخان» في القرآن بصدد خلق السموات في قوله تعالى «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (س ٤١ آية ١٠)، و لكنها وردت أيضاً في هذا المعنى في نصوص أقدم من القرآن ذكر فيها الدخان على أنه عنصر خامس و أنه أعلى العناصر و أنقاها و ألطفها. (راجع
Hermetica P. ٥١١, ٣٢١
) و على ذلك انقسمت الأشياء الطبيعية إلى قسمين: عنصرية و هي ما تألفت من العناصر الأربعة في العالم الطبيعي، و ما تألفت من دخان العناصر و هي الأجرام الفلكية و الأرواح التي تدبرها، و كذلك كل ما تولد عن هذين. أما الطبيعية غير العنصرية فهي الأرواح التي فوق السموات السبع و هي المجردات من النفوس و العقول، مثل روح العرش و روح الكرسي و غيرهما. و طبيعة هذه نورية لا عنصرية: أي غير مادية كما أسلفنا. فهناك إذن فرق بين طبيعة الملائكة المتولدة في الأفلاك و الملائكة التي فوقها، لأن طبيعة الأولى عنصرية