فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٧ - الفص الثالث و العشرون
مختلفين في اصطلاح ابن عربي و الحسين بن منصور الحلاج من قبله. فهما من ناحية أنهما صفتان للذات الإلهية متحدتان- كما أن الأسماء الإلهية الكثيرة واحدة العين من حيث دلالتها على مسمى واحد هو الحق- و لكنهما مختلفتان من حيث إن المشيئة مرادفة للعناية الإلهية أو للأمر الإلهي التكويني الذي يتعين به كل شي ء على نحو ما هو عليه، في حين أن الإرادة صفة يتعين بها وجود شي ء من الأشياء أو عدمه بعد إيجاده. و هذا معنى قول المؤلف «يريد زيادة و يريد نقصاً»: أي يريد تحقق موجود من الموجودات، و هو المشار إليه بالزيادة، و عدم تحقق موجود آخر و هو المشار إليه بالنقص. و لكن الكل خاضع للمشيئة التي تقضي بأنه سيكون هنالك زيادة أو نقص، وجود أو عدم وجود، طاعة أو معصية. فالمشيئة إذن في مذهب ابن عربي الجبري أشبه شي ء بالقانون العام للوجود، أو بمجموعة قوانين الوجود لأنها تتعلق بماهيات الأشياء- و الأشياء أعم من الموجودات لأنها تشمل الموجودات و المعدومات: أي الأشياء التي قد تتحقق بالفعل و التي لا تتحقق أصلًا- فتعينها على النحو الذي هي عليه. و لذلك يسميها ابن عربي أحياناً بالوجود (الفتوحات ج ٤ ص ٥٥)، و بعرش الذات، متبعاً في ذلك أبا طالب المكي (الفتوحات ج ٢ ص ٥١ ج ٣ ص ٦٢ ج ٤ ص ٥٥).
فوجود الأشياء على النحو الذي توجد عليه، أو عدم وجودها إطلاقاً، يتعلق بالمشيئة. و لكن وجود شي ء من الأشياء في العالم الخارجي أو انعدام وجوده بعد أن يوجد، متعلق بالارادة. هذا هو الفرق بين الاثنين كما يفهمه جامي (شرح الفصوص ج ٢ ص ٢٨٧، ٢٨٨) و هو رأي يتفق مع الروح العامة لمذهب ابن عربي كما نجده في الفصوص و الفتوحات. و لكن القاشاني (شرح الفصوص ٣٧٤) و الجرجاني (تعريفات ص ١٤٧) يذهبان إلى أن المشيئة هي التي تتعلق بإيجاد الأشياء في العالم الخارجي و بانعدامها بعد وجودها، في أن الإرادة تتعلق بالإيجاد