فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٨ - الفص الثالث و العشرون
وحده. و يؤيدان مذهبهما بأن هذا هو الاصطلاح الذي جرى عليه القرآن في استعمال الكلمتين. يقول القاشاني: «و الفرق بين المشيئة و الإرادة أن المشيئة عين الذات، و قد تكون مع إرادة و بدونها. و الإرادة من الصفات الموجبة للاسم المريد.
فالمشيئة أعم من الإرادة: فقد تتعلق بها و تنقبض بها كمشيئة الكراهة: أي بالإيجاد و الاعدام. و لما كانت الإرادة من الحقائق الأسمائية، فلا تقتضي إلا الوجود فتتعلق بالإيجاد لا غير». و يقول الجرجاني «مشيئة اللَّه عبارة عن تجلي الذات و العناية السابقة لإيجاد المعدوم أو إعدام الموجود. و إرادته عبارة عن تجليه لإيجاد المعدوم. فالمشيئة أعم من وجه من الإرادة. و من تتبَّع مواضع استعمالات المشيئة و الإرادة في القرآن يعلم ذلك، و إن كان بحسب اللغة يستعمل كل منهما مقام الآخر». و الإرادة خاضعة للمشيئة لأنها صفة من الصفات الإلهية أو شي ء من الأشياء التي يعينها قانون الوجود العام. و هذا هو معنى قوله:
|
مشيئة إرادته فقولوا |
بها قد شاءها فهي المشاء |
|
أما كلمة مشاء الواردة مرة في البيت الثالث و مرتين في البيت الرابع، فقد قرئت بفتح الميم و بضمها. و يقول جامي (ص ٢٨٧) إنها بضم الميم في موضعها الأول و الثاني حسب النسخة المقروءة على المؤلف، و بفتح الميم في موضعها الثالث.
و لكنها إذا قرئت بالضم كانت اسم مفعول من الثلاثي على صيغة المزيد و هذا خلاف القياس.
و أما الرزق الذي أشار إليه في البيتين الأولين فرمز لما يقوّم كلًا من الذات الإلهية و العالم و يظهر كلًا منهما بمظهره الخاص به. فالعالم من ناحيةٍ غذاء للذات الإلهية لأن به تظهر هذه الذات في صور الوجود الخارجي و تظهر فيها كمالاتها.
و الذات الإلهية من ناحية أخرى غذاء للعالم لأنها هي الجوهر المقوم لصور الوجود و لا وجود لصورة من غير جوهر يقوّمها، كما لا وجود لجسم من غير غذاء يقومه.