فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٠٩ - الفص السادس عشر
أي موجود بصفة ما أو على نحو ما راجع إلى طبيعة الموجود ذاته و ما توجبه هذه الطبيعة. و لهذا قال «ثم أوجبها على نفسه»، أي في قوله «فَسَأَكْتُبُها» بظهورها لنا: أي بظهور العالم لنا على النحو الذي ظهر فيه.
(٧) «فعلى من امتن و ما ثَمَّ إلا هو؟ إلا أنه لا بد من حكم لسان التفصيل».
(٧) بعد أن بيَّن أن الحق سبحانه قد أفاض برحمة امتنانه الوجود على الخلق بأن ظهر في صوره، قال إن الحق هو هوية الخلق و لا اثنينية في الأمر على الإطلاق.
فلم يمتن الحق إلا على نفسه و لم يرحم إلا نفسه: أي لم يظهر هذا الوجود الإضافي إلا في ذاته. و لكن هذه لغة الوحدة أو لغة الجمع على حد قول الصوفية. و هنالك لغة الكثرة في مقام التفصيل الذي هو مقام الفرق، و هذا المقام له حكمه، و إلا كيف نفسر اختلاف الخلق في الصور و تفاوتهم في درجات معرفتهم و ما إلى ذلك من الفروق التي نلمسها في نواحي الوجود؟ لا يمكن أن نفسر هذا كله إلا إذا تكلمنا بلسان الفرق بين الذات الواحدة و صورها الوجودية المختلفة مع اتحاد هذه الصور في العين.
هذا، و قد قرأ بعض الشراح كلمة التفضيل (بالضاد) بدلًا من التفصيل (بالصاد) قائلين إن المراد أننا يجب أن نعترف بمبدإ التفضيل بين الصور الوجودية- بالرغم من اتحادها في العين- لكي نفسر اختلاف ما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم و غيرها. و لكن القراءة الأولى أدق في نظري.
و ليست المفاضلة- في مقام التفصيل الوجودي- حاصلة بين المظاهر الوجودية وحدها، بل هي حاصلة كذلك بين الصفات الإلهية ذاتها. فالعلم أفضل من الإرادة في تعلق كل منهما بالأمور المعلومة و المرادة، و الإرادة أفضل من القدرة في تعلق كل منهما. و كذلك السمع و البصر الإلهي و جميع الأسماء الإلهية على درجات في تفاضل بعضها على بعض.