فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٠ - الفص السادس عشر
أما فضل العلم الإلهي على الإرادة فلعمومه و شمول تعلقه بكل ما هو معلوم سواء أ كان أمراً وجودياً أم عدمياً، موجوداً بالقوة أم بالفعل، ممكن الوجود أم مستحيل الوجود. و أما فضل الإرادة على القدرة فلتقدمها عليها و لأن تعلقها أعم من تعلق القدرة.
(٨) «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان».
(٨) السميع و البصير اسمان من أسماء اللَّه. و يمكن أن يقال إن التفاضل واقع بينهما على نحو ما تتفاضل الأسماء الإلهية كما ذكرنا. و لكن فيلسوف وحدة الوجود يفسرهما تفسيراً آخر. و هو أن الحق سبحانه عند ما وصف نفسه بأنه السميع و البصير لم يرد مجرد حمل صفتي السمع و البصر على نفسه، بل أراد فوق ذلك أن يقرر أنه وحده هو الذي يسمع في كل ما يسمع و من يسمع، و الذي يبصر في كل ما يبصر و من يبصر. هذه هي ناحية التشبيه في مذهب ابن عربي الذي أشرنا إليه، و هو تشبيه يكاد يوقعه في التجسيم المحض. و لكنه يخفف من شناعة هذا التشبيه بما يذكره عن تنزيه الحق بمعنى إطلاقه- في ذاته- عن كل قيد و كل تحديد. فهو ليس هذا السامع أو ذاك، و لا هذا المبصر أو ذاك، بل هو عين كل ما يسمع و ما يبصر. و بهذا يصدق على الحق أنه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ» لأنه لا يشبه أي شي ء من المخلوقات و إن كان عين المخلوقات جميعها.
و على هذا، إذا فهمنا التفاضل بين السميع و البصير على معنى أنه حاصل بين صفتين من الصفات الإلهية، قلنا إن صفة البصر أكمل و أفضل من صفة السمع.
و إذا فهمنا السميع و البصير بمعنى الحق الذي يسمع في ذات كل سامع، و يبصر في ذات كل مبصر، كان التفاضل حاصلًا بين صور الموجودات لا بين صفتين من الصفات الإلهية. قارن في مسألة التنزيه و التشبيه الفص الثالث: تعليق ١، ٢ إلخ.
(٩) «و ما ثَمَّ إلا حيوان ... إلى قوله فإنها الدار الحيوان».