فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٨ - الفص الثالث عشر
العارف أبو مدين المغربي، بل كما كان عليه حال ابن عربي نفسه الذي يصف نفسه بأنه كان أتم في مقام الضعف و العجز من أبي مدين. فالتحقق بمقام الضعف و العجز هو الذي يمنع هؤلاء الصوفية من إطلاق تصرفهم في الموجودات، و هو أيضاً مقام التحقق بالعبودية الكاملة. و هنا نسمع صوت العاطفة الدينية ينبعث من قلب شيخ وحدة الوجود حيث يجرد الإنسان (الصورة) من كل حول و قوة و قدرة على التصرف- بل على الفعل أياً كان نوعه، و يلبسه ثوب الافتقار المطلق، و يعزو القوة الحقيقية و القدرة المطلقة إلى الحق الواحد المتجلي في جميع الصور.
على أن الجمعية المشار إليها يمكن أن تفهم على وجه آخر، و في بعض ما سبق من النصوص ما يؤيد هذا الوجه. فقد يكون المراد بها مقام الجمع: أي مقام الفناء و التحقق بالوحدة الذاتية بين الحق و الخلق. و قد سبق أن أشرنا إلى أن هذا المقام متعذر على السالكين الكاملين ما داموا في هذه الدنيا و ما دام لهم شعور بفرديتهم. و يكفي أن يقول الصوفي «أنا» ليثبت «مقام الفرق».
و لهذا يَسْخَر ابن عربي من أولئك الصوفية الذين خدعوا أنفسهم فتكلموا عن الوصول و الاتحاد و الوحدة و ما شاكلها. يقول «و لهذا منع أهل الحق التجلي في الأحدية» راجع الفص السابع- التعليق الخامس: و الفص الثاني عشر:
التعليق ٦، ٧ إلخ إلخ.
(٤) «فمتى تصرف العارف بالهمة في العالم فعن أمر إلهي و جبر لا باختيار».
(٤) هذه ناحية جديدة من نواحي نظرية ابن عربي في الجبر. كل شي ء في عالم هذا الرجل يخضع لقانون الجبرية الأزلية حتى الاعتقادات و الطاعات و المعاصي، و التصرف بالفعل في العالم و عدم التصرف فيه. فبعد أن شرح معنى التصرف و قيمته في نظر العارف الكامل، و بيَّن أنه قوة يتمكن بها الإنسان من إحداث ما يشاء من الآثار في العالم الخارجي، و يحجم العارفون عن استخدامها لعلمهم بمصدرها و حقيقتها، ذكر أن الأنبياء قد أعطوا هذه القوة ليظهروا بما تأتي به