فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٦ - الفص الثالث عشر
و يدرك أن من الجهل و سوء الأدب مع اللَّه التصرف بها فيترك التصرف لصاحبه و يرجع بنفسه إلى الحال الأولى التي هي حال العجز المطلق. هذا هو التفسير الصوفي الفلسفي الذي وضعه ابن عربي لقوله تعالى «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً» (قرآن س ٣٠ آية ٥٤) و لعله يفهم الشيبة على أنها رمز لحالة النضوج في المعرفة الصوفية.
(٢) «و ذلك أن المعرفة لا تترك للهمة تصرفاً. فكلما علت معرفته نقص تصرفه بالهمة».
(٢) يدعي جمهور الصوفية أن العارفين منهم المتحققين بمقام الولاية و الواصلين إلى درجة القرب من اللَّه، تظهر على أيديهم الكرامات و خوارق العادات، و يرسلون هممهم على من يريدون و ما يريدون فيتصرفون في الجميع و يسخرون الناس و الأشياء. و لكن ابن عربي الذي يخضع لمنطق مذهبه في وحدة الوجود يرى أن هذه دعوى لا أساس لها عند العارف المحقق الواقف على الأمر كما هو عليه.
إذ العارف الذي وصل إلى مقام الجمع- أو مقام الفناء كما يسمونه- و تحقق من الوحدة الوجودية للأشياء و من وحدته الذاتية مع الحق، يترك التصرف مع قدرته عليه، و يزهد فيه، و إن تصرف عرف من هو المتصرِّف و من المتصرِّف فيه، و بأي معنى نَسَبَ التصرف إلى نفسه.
إنه يدرك في هذا المقام أنه مجرد صورة لا وجود و لا قيمة لها في ذاتها- و هذا هو التحقق بالعبودية الكاملة- و يدرك من ناحية أخرى أحدية المتصرِّف و المتصرِّف فيه فلا يرى غيراً يسلط عليه همته أو يرسل عليه تصرّفه. فهو من جهة يرى أن إرادته ليست سوى إرادة الحق فيه، و من جهة أخرى يرى أن غيره من الموجودات التي يؤثر فيها بهمته و تصرفه ليست سوى مجال للحق، بل هي عين الحق لا غيره: فكيف عن التصرف و يدرك أنه ليس له من الأمر شي ء. هذا