فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥٧ - الفص الثالث عشر
سبب، و هناك سبب آخر من أجله ترك العارفون من الصوفية التصرف و تبرءوا منه: و ذلك أنهم أدركوا أنه لا شي ء يظهر في الوجود إلا بحسب ما كان عليه في حال ثبوته الأزلي: أي أدركوا أن الأمور مقررة مقدرة أزلًا، و أن لا قوة في الوجود أياً ما كانت تستطيع أن تمحو كلمة واحدة مما خطته يد القدر:
ففيم إذن يتصرفون؟ و لِمَ يتصرفون؟ إن المنازع الذي يعصي رسول اللَّه لم يتعد حقيقته و لا أخل بطريقته: إنه يسير في الطريق التي رسمتها له طبيعة الوجود و لا مفر له من أن يسير فيها. و مهما يحاول الرسول رده عن هذه الطريق بهمته أو بغيرها لا يجديه ذلك فتيلًا. أ لم يقل الحق لنبيه عليه السلام: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ؟» و قال «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». على أن هذا المنازع ليس إلا منازعاً في الصورة، و من قبيل العرض البحت، و إلا فهو في حقيقة الأمر مطيع خاضع لقانون الوجود الذي هو القانون الإلهي. راجع ما قلناه عن الأمر التكويني و الأمر التكليفي و ما ذكرناه عن نظرية المؤلف في الجبرية. (الفص الخامس: التعليق ٤، ٥، ٦، و الفص السابع التعليق ٤، و الفص الثامن التعليق ٦، و الفص العاشر التعليق ٦ إلخ).
(٣) «و الهمة لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه».
(٣) الظاهر أن المراد بالجمعية هنا جمعية القلب، أي تركيزه و توجيه نشاطه الروحي نحو أمر من الأمور أو شي ء من الأشياء بقصد التصرف فيه حسبما يريد العارف. و لكن هذه الجمعية القلبية لا تتم أبداً لصاحب المعرفة الكاملة لأن شعوره بالعجز و القصور، و إدراكه أن ما أودع فيه من القدرة على التصرف في الأشياء ليس له و أنه مجرد أداة في يد الحق، يقفان حائلًا دون حصول هذه الجمعية في قلبه. و إذا لم تحصل الجمعية القلبية في العارف لا يحدث التصرف، و هذا هو معنى ترك كبار الصوفية للتصرف مع قدرتهم عليه كما فعل الشيخ أبو السعود بن الشبل البغدادي تلميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني، و كما فعل الشيخ