فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٣٨ - الفص التاسع عشر
(٧) «و لهذا كني أيوب في المس فأضافه إلى الشيطان مع قرب المس».
(٧) لو فهمنا الشيطان على أنه حالة البعد، و المس على أنه حالة القرب، كان معنى قول أيوب: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ» أن حالة البعد عن إدراك الحقيقة قد قربت مني قرب اللامس من الملموس. فهو يستعمل كلمة مَسَّ على سبيل الكناية بدلًا من كلمة قَرُبَ، و ينسب المس إلى الشيطان الذي هو البعد، بالرغم من أن المس يقتضي القرب أو أنه هو القرب نفسه. فكأنه قال: «إنني قريب من حالة البعد عن إدراك الحقيقة». و يتضح المعنى بعض الشي ء عند ما نقرأ قول المؤلف بعد ذلك «البعيد مني قريب لحكمه فيَّ». فالبعيد منه هو إدراكه للحقيقة الوجودية، و هو يلمس في نفسه أثر ذلك البعد (و هو الذي يسميه بالحكم)، أو أن حالة الحجاب عن الحقيقة شديدة القرب مني لأني أحس بها.
(٨) «و اعلم أن سر اللَّه في أيوب الذي جعله عبرة لنا و كتاباً مسطوراً حالياً ...» (٨) يمكننا أن نقرأ الكلمة حالياً بتشديد الياء على أنها نسبة إلى الحال أو بالياء المخففة حالياً على أنها من الحلية و يقرؤها جامي في شرحه على الفصوص (ج ٢ ص ٢٤٣) حاكياً أي مخبراً، فمعنى الجملة على الوجه الأول أن اللَّه جعل من قصة أيوب لنا كتاباً مسطوراً ندرك معناه بالحال أي بالذوق الصوفي، و على الوجه الثاني أن اللَّه صاغ لنا قصة أيوب في كتاب مسطور مزدان بالحكمة و الموعظة، و على الوجه الثالث أن اللَّه أخبرنا بقصة أيوب في كتاب مسطور يحكي لنا أمره. و جامي هو المفسر الوحيد الذي انفرد بهذه القراءة الأخيرة و لم أجد في نص من النصوص القديمة ما يؤيدها.
(٩) «و إنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان و لا الوقت».
(٩) يشير إلى عدم استجابة اللَّه لدعاء بعض الناس لأنهم لا يتوجهون في دعائهم