فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٩ - الفص الثالث
دعاهم إلى القول بالتنزيه و التشبيه. أما التنزيه فمن ناحية نسبة الملك إلى اللَّه على الحقيقة، و أما التشبيه فلنسبة الخلافة إلى الإنسان في مُلك اللَّه. قال تعالى «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ». و إذا عرفنا معنى الخلافة الانسانية في مذهب ابن عربي، أدركنا الإشارة بها إلى التشبيه. فالإنسان خليفة اللَّه في العالم بمعنى أنه وحده هو الموجود الذي تتجلى فيه صفات اللَّه و أسماؤه في صورة كاملة كما شرحناه في الفص الأول.
أما الإشارة الواردة عن الترمذي فمذكور في الفتوحات المكية أيضاً (ج ٢ ص ٦٦) في إجابات ابن عربي عن المائة و الخمسة و الخمسين سؤالًا التي سألها الحكيم محمد بن علي الترمذي المتوفى سنة ٢٨٥. و السؤال الخاص بمالك الملك هو السؤال السادس عشر و نصه: «كم مجالس ملك الملك؟» (٨) «فأجابوه مكراً كما دعاهم».
(٨) معنى هذه العبارة أن نوحاً لما دعا قومه إلى عبادة اللَّه على سبيل التنزيه قد مكر بهم و خدعهم. و يرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى اللَّه على هذا الوجه يمكر بمن يدعوه و يخدعه. و ذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته و مهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا اللَّه، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود.
فدعوته إلى اللَّه مكر به، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئاً آخر سوى اللَّه و ما في الوجود سوى.
أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم: «لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً»: لأنهم إن تركوا هذه الآلهة، فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا. ذلك لأن للحق في كل معبود وجهاً لا يُعبَد المعبود إلا من أجله.
و هنا يفهم ابن عربي نصاً آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة اللَّه فيقول في (مذهب) المحمديين: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» أي حكم: بمعنى قدَّر أزلًا أنكم لن تعبدوا إلا إياه، لا بمعنى أمر أ لا تعبدوا سواه.