فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٦ - الفص الخامس عشر
الصورة و لا نفخ. فالنفخ إذن ليست جزءاً من حد الْبَشَر و لو أنه يصدر عنه.
أي أن ظهور جبريل في صورة بشرية شي ء و نفخه في مريم بهذه الصورة شي ء آخر. كذلك الحال في ظهور الحق في صورة عيسى، فإنه لا يلزم منه أن تكون الألوهية التي هي صفة ذاتية للحق صفة لهذه الصورة الخاصة. أي أن تجلي الحق في أية صورة من صور الوجود شي ء و كونه عين هذه الصورة شي ء آخر: أو أن الألوهية ليست جزءاً من حد الصورة التي يتجلى فيها اللَّه، كما أن النفخ ليس جزءاً من حد الصورة البشرية التي ظهر فيها جبريل. كان النفخ إذن من جبريل الروح لا من الصورة التي ظهر فيها. و لهذا ينسب النفخ إليه لا إليها، كما أن الألوهية تنسب إلى اللَّه لا إلى الصورة التي يتجلى فيها.
(١١) «كما قال تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ^. نفخ فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه و عينه إليه تعالى».
(١١) الإشارة هنا إلى قوله عز و جل «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (قرآن س ٣٨ آية ٧٢) فنسب الروح في كون الإنسان و في عينه إلى نفسه تعالى. أي نسبها إلى نفسه عند ما وصف كيفية خلق الإنسان و عند ما أشار إلى عينه. أما الأولى فتعبر عنها الآية في قوله «سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ»^ و أما الثانية فتعبر عنها في قوله «مِنْ رُوحِي»^ لأن عين الإنسان الحقيقية هي روحه التي هي روح اللَّه.
أما في حالة عيسى فالأمر بخلاف ذلك، لأن اللَّه تعالى عند ما خلق الإنسان سوى صورته أولًا ثم نفخ فيه من روحه فظهر في الوجود بهذه الصورة الخاصة.
و لكن عيسى جاءت تسوية صورته الجسمية بعد أن تلقت أمه كلمة اللَّه: أي بعد أن نفخ فيها روح اللَّه. و قد اقتضى ذلك أن الروح الإلهي قد سرى في جميع جسد عيسى قبل أن يسوى ذلك الجسد في الصورة الخاصة. و معنى هذا أن تسوية جسمه و صورته البشرية قد تمّا معاً بالنفخ الروحي. و في هذا تعليل لما قلناه من