فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٨٤ - الفص الخامس عشر
أن يكون عيسى قد صنع أجسام الطير من الطين، و أنه نفخ فيها، في حين أن الذي خلق الطير الحقيقي منها هو اللَّه، لأن هياكل الطير الطينية ليست طيراً و المنصوص عليه هو أن عيسى خلق طيراً. و لذلك يعيد الضمير في قوله «من حيث صورته الجسمية» إلى عيسى نفسه لا إلى الطير: أي أن الطين صار طيراً بواسطة نفخ عيسى الصادر عن صورته الجسمية المحسوسة- لا أن الطين صار طيراً من حيث صورته الجسمية المحسوسة. و لكني أرى أن القيصري في نسبته الخلق إلى عيسى، مهما كان فيه من تأييد لمعجزته، قد خرج على روح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود.
(٨) «و لو أتى جبريل أيضاً بصورته النورية الخارجة عن العناصر و الأركان- إذ لا يخرج عن طبيعته إلخ»: (٨) إن السر في أن عيسى أحيا الموتى و خلق من الطين طيراً- بالمعنى المتقدم- و هو في صورة بشرية، يرجع إلى أن جبريل الروح تمثل لأمه مريم في صورة بشرية، و لو أنه أتى إليها في صورة أخرى لما كان عيسى ليستطيع أن يفعل ما فعل إلا إذا ظهر هو الآخر بهذه الصورة لأن جبريل كان له بمثابة الأب و الولد سر أبيه.
أما أن جبريل لا يخرج عن طبيعته فمعناه أنه لا يتجاوز في عمله- من حيث هو مبدأ الحياة في عالم الكائنات الحية- الفلك السابع أو سدرة المنتهى التي هي حد الفلك السابع: و هو آخر الأفلاك في العالم الطبيعي.
فجبريل يستطيع الظهور بأية صورة شاء من صور الأفلاك السبعة بما في ذلك فلك الأرض، بل يستطيع أن يظهر في صورته النورية المحضة الخارجة عن العناصر و الأركان، و لكنه لا يستطيع أن يتعدى حدود الطبيعة: إذ ليس وراء الطبيعة إلا الواحد الحق المنزه عن جميع الصفات.
و الطبيعة طبيعتان: نورية و عنصرية: أو طبيعة عنصرية و طبيعة غير عنصرية، و هي تفرقة أخذها مفكرو الإسلام عن أرسطو الذي ميز بين الطبيعة الأثيرية التي