فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٥ - الفص السابع
الحضرة». و كان كذلك اشد ما يكون جرأة عند ما فسر ظهور جبريل للنبي صلى اللَّه عليه و سلم بأنه لم يكن سوى تصوير و خلق من خيال النبي، كما يصور خيال المحب و يجسد أمامه محبوبه فيخاطبه و يناجيه و يسمع كلامه، و هو في الحقيقة لا يخاطب إلا نفسه و لا يسمع إلا كلامه. قال في الفتوحات المكية (في الجزء الثاني ص ٤٢٩) «و لقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني، كما كان يتجسد جبريل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فلا أقدر أنظر إليه، و يخاطبني و أصغي إليه و أفهم عنه».
(١١) «قد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح» إلى آخر الأبيات.
(١١) في القرآن آيات كثيرة تدل على الوعد و الوعيد على السواء. فقد وعد اللَّه عباده المتقين نعيم الجنة، و وعد الكفار و العاصين عذاب جهنم. فإمكان وفائه تعالى بوعيده مساو تماماً لإمكان وفائه بوعده. و لكن ابن عربي يذهب إلى أن الممكن هو الوفاء بالوعد دون الوعيد: لأنه لكي يتحقق أي أمر ممكن لا بد من وجود مرجح- إذ الممكنُ وجودُه و عدمُه سواء. فإذا وجد فلا بد من وجود مرجح لوجوده على عدم وجوده. و ليس للوفاء بالوعيد مرجح إلا المعصية:
و لكن اللَّه قد غفر لعباده جميع معاصيهم في قوله: «وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ»، و قوله: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» (س ٣٩ آية ٥٤) و نحوهما. و إذا زال المرجح الوحيد لإمكان الوفاء بالوعيد زال ذلك الإمكان نفسه. و لهذا قال:
|
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده |
و ما لوعيد الحق عين تُعَايَنُ |
|
نعم سيكون في الدار الآخرة جنة و نار، و لكن مآل الجميع فيهما إلى النعيم، و إن اختلف نعيم دار الشقاء عن نعيم دار السعادة بحسب تجلي الحق لأهل كل من الدارين (و قد ذكرنا معنى الجنة و معنى تجلي الحق فيها فيما مضى: راجع التعليق السادس من هذا الفص).