فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩٤ - الفص السابع
|
بذا جاء برهان العيان فما أرى |
بعيني إلا عينه إذ أعاين |
|
أي لم يبق إلا «الواحد الحق» الذي لا كثرة فيه و كل كائن سواه لا وجود له. و لذا قال لا شي ء موصول بآخر بالمماثلة، و لا شي ء بائن (مختلف) عن غيره بالمغايرة. هذا هو الذي يؤيده الشهود القلبي و تعاينه عين البصيرة. أما الذي يبقى على التمييز بين العبد و الرب، و يقول بالمغايرة بينهما، فهو الجاهل بحقيقة الأمر المحجوب عن مشاهدة الوحدة، الخائف من أن يكون هو الحق:
و هو معنى قوله: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أن يكونه لعلمه بالتمييز».
(١٠) «و لا يُلقَى عليك الوحي في غير و لا تلقِي».
(١٠) إذا كان الوجود واحداً لا فرق بين حقه و خلقه و لا بين ربه و عبده فما معنى الثنوية في الوحي؟ أي ما معنى قولنا ان الوحي ينزل من الحق إلى الخلق أو من الرب إلى العبد؟ لا نزول و لا وساطة في النزول في مذهب ابن عربي، فما يلقَى الوحي في غير ذات الحق و لا من غير ذات الحق، أو كما يقولون، لا يلقى الوحي إلا من مقام الجمع إلى مقام التفصيل. الوحي إذن انبعاث من ذات النفس الإنسانية و كشف عن أعماقها، أو هو فيض من الروح الكلي الساري في جميع النفوس الجزئية المتحد بها على الدوام. و ليس ابن عربي أقل حرصاً في تشبثه بوحدة عالم الروح من أفلوطين (راجع تساعيات أفلوطين ترجمة ما كِنَّا مجلد ٣ ص ١٣- ١٤). بل هو أقوى من سلفه في القول بهذا المعنى و أبعد من التناقض لأنه لا يقرر وحدة النفوس فحسب، بل وحدة الوجود كله.
و قد كان ابن عربي أشد ما يكون صراحة عند ما نفى الوحي- بل كل المعارف الباطنية- بطريق الوساطة في قوله في الفص الشيثي «فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف، و تمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره: فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره، إلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إليه، ينقلب من وجه لحقيقة تلك