فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٢ - الفص السابع عشر
المراد بآدم الجنس البشري بأسره. أما الفرق الحقيقي بين داود و غيره من «الخلفاء» فهو النص الصريح على خلافته و عدم وجود مثل ذلك النص في خلافة الآخرين. قال تعالى: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ .. إلخ، و قال في حق آدم: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» و لم ينص على أنه آدم.
و لكن هذا المعنى العام ليس هو المعنى الذي يقصده ابن عربي بالخلافة هنا، و لهذا يحصر كلامه في دائرة الأنبياء و الرسل فيما يتعلق بعلمهم بالشرائع و خلافتهم عن اللَّه في ذلك، أو خلافة بعضهم عن بعض و لذلك يفرّق تفرقة هامة بين من يسميهم الخلفاء عن اللَّه و من يسميهم الخلفاء عن الرسل، و يقصر الوصف الأول على كل نبي لا يأخذ علمه بالشرع إلا عن اللَّه مباشرة، كما يصف بالوصف الثاني كل نبي أو وليّ يأخذ علمه بالشرع عن رسولٍ صاحب شريعة. و يسمي خلافة الصنف الأول خلافة التشريع كما يسمي خلافة الصنف الثاني الخلافة العامة.
فالنبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم خليفة عن اللَّه من حيث أخذه شريعته من اللَّه، و لكنه في الوقت نفسه خليفة عن الرسل الذين سبقوه من حيث أخذه عنهم بعض قوانين شرائعهم.
و عيسى عليه السلام سيكون خليفة محمد عند ما ينزل إلى الأرض و يحكم بين الناس بشريعة الإسلام. و كذلك الحال في كل من أتى بعد محمد و حكم بشرعه.
و لكل من الخلافتين نهاية تنتهي عندها. فخلافة التشريع قد انتهت بخاتم الرسل محمد صلى اللَّه عليه و سلم. أما الخلافة العامة- التي يسميها ابن عربي أحياناً بالنبوة العامة، فتنتهي بخاتم الأولياء. و هذا معناه أن الخلافة العامة قد أصبحت بعد موت محمد عليه السلام تراثاً خاصاً يرثه أولياء المسلمين عن نبيهم الذي يتبعونه فيما وضع لهم من قوانين شرعه، و الذين «يجتهدون» في مسائل الشرع الأخرى التي لم يأت فيها النبي بتشريع صريح. هؤلاء هم الورثة الروحيون