فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٤ - الفص السابع عشر
الديني الخطير و مركز الرسالات التي بعثوا بها إلى الناس، قد وضع حداً فاصلًا بين نوعين من النبوة: النوع الأول و هو ما يسميه نبوة الاختصاص غير المكتسبة، و النوع الثاني و هو النبوة المكتسبة. و لا يطلب اللَّه على منح النوع الأول جزاء و لا شكوراً، كما أنه لا يمنحه لمن أراد في مقابلة عوض. أما النوع الثاني و هو النبوة المكتسبة فهو درجة من درجات الروحية التي يصل إليها الإنسان بطرق خاصة، كما يصل الصوفية إلى حالتهم الروحية الخاصة المعروفة بحال الوجد أو الفناء.
(٣) الاجتهاد.
(٣) تستعمل كلمة الاجتهاد في الفقه الإسلامي للدلالة على المنهج الخاص الذي يتبع في الوصول إلى قانون من قوانين الشرع لم يرد فيه نص صريح في الكتاب أو السنة، و إن كان يجب أن يستند إلى أصلٍ ما من الأصول الواردة في القرآن أو الحديث الصحيح. و على هذا فالاجتهاد نوع واحد لا أنواع كثيرة، و هو حق لكل مسلم يأنس من نفسه القدرة على القيام به و تكون فيه الأهلية لذلك، و إن كان العرف الاسلامي قد جرى باعتبار الأئمة الأربعة هم المجتهدين دون غيرهم.
و الحق أنه لا معنى لهذا الحصر و لا لإقفال باب الاجتهاد في وجه أي مسلم بعد الأئمة الأربعة ما دمنا نفهم الاجتهاد على أنه نوع من التفقه في الدين و البحث في أحكام الشرع بحثاً يعتمد على طريقة القياس و طرق الاستدلال الفقهية الأخرى، و ما دامت الشروط اللازمة له متوافرة في الشخص الذي يقوم به. و لكن ابن عربي يعطينا في هذا الفص و في الفص الذي سبقه صورة جديدة عن الاجتهاد مختلفة تماماً عما يفهمه فقهاء المسلمين منه. فالمجتهد في نظره ليس المسلم الذي تفقه في الدين و أعمل عقله في استنباط الأحكام غير المنصوص عليها، بل هو خليفة الرسول، أو هو «الإمام [١] الذي أخذ علمه بالشرع من نفس المنبع الروحي
[١] و يظهر أن استعمال كلمة« أمام» هذا الاستعمال الخاص راجع إلى تأثر نظرية ابن عربي بأفكار الشيعة في الإمام المعصوم.