فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٥ - الفص السابع عشر
الذي أخذ منه الرسول علمه: و هو بهذا المعنى وارث الرسول بل مشارك له في رسالته، و له القدرة على أن يغيِّر ما شاء من قوانين الشرع التي وصل إليها غيره من المجتهدين كما سيحدث عند ما ينزل عيسى عليه السلام إلى هذه الأرض و يحكم فيها بشرع النبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم، فإنه سيرد الإسلام إلى سيرته الأولى، و ينقض بعض أحكام المجتهدين من المسلمين لا سيما ما حدث فيها خلاف حول نص خاص من نصوص الدين. بل إن لهذا الخليفة الإمام الحقِّ في أن يرفض التسليم بصحة أي حديث نبوي اتخذه غيره أساساً لاجتهاده في مسألة من المسائل ثم كُشِفَ لهذا الإمام عن خطأ هذا الاجتهاد.
و على هذا فللاجتهاد نوعان عند ابن عربي: الأول اجتهاد الأولياء (و هم الأئمة الخلفاء الذين أشرنا إليهم) و هو حكمهم في مسألة من مسائل الشرع بما يطابق ما ورد في شريعة الرسول- أو يطابق حكم اللَّه في هذه المسألة لو أن اللَّه تعالى قد تولاها بنفسه. و لهؤلاء الأولياء نفس المرتبة الروحانية التي للرسل، و علمهم بالشرع المحمدي مستمد من نفس المصدر الذي استمد منه محمد عليه السلام علمه بشرعه، لأنهم يأخذون هذا العلم عن اللَّه مباشرة، و يترجمون هذا العلم إلى الناس. فهم ألسنة الحق بين الخلق، و هم الكاملون من الناس الذين لم يزل اللَّه يلقي كلامه إلى قلوبهم: «فإن كلام اللَّه ينزل على قلوب أولياء اللَّه تلاوة فينظر الولي ما تلي عليه مثل ما ينظر النبي فيما أنزل عليه فيعلم ما أريد به في تلك التلاوة كما يعلم النبي ما أنزل عليه فيحكم بحسب ما يقتضيه الأمر»[١].
و هذا معناه أن النبوة العامة لم تنقطع بموت النبي محمد عليه السلام و إن كانت الرسالة قد انقطعت.
[١] فتوحات ج ٢ ص ٦٦٦.