فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٤ - الفص الحادي و العشرون
شاملة له أي معطية إياه وجوده الخاص به لأنه إما موجود بالفعل متحقق الوجود، أو موجود بالقوة صائر إلى الوجود بالفعل. فالنظرة التي ينظر بها المؤلف إلى الرحمة نظرة ميتافيزيقية لا خلقية. و لذلك لا يفرق بين مقولتي الخير و الشر كما لا يميز- إلا في مجرد التسمية- بين صفتي الغضب و الرضا اللتين وصف الحق بهما نفسه. (قارن التعليق الثالث على الفص السادس عشر).
و بالرغم من أن الرحمة نفسها ليس لها وجود عيني- لأنها من الأمور الكلية المعنوية، فإن لها الحكم في إيجاد كل ما له وجود عيني، شأنها في ذلك شأن جميع المعاني الكلية التي لها أثر و حكم في أعيان الموجودات، مع أنها ليست من الموجودات العينية. و إلى هذا المعنى أشار بقوله: «و قد ذكرنا في الفتوحات أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم، و إن كان للموجود فبحكم المعدوم (قارن الفص الأول).
هذه مسألة يرى ابن عربي أنها لا تدرك إلا بالذوق الصوفي و أنه لا مجال للعقل فيها، و إلا فكيف يدرك العقل أن الرحمة الإلهية قد وسعت المعاصي و الآلام و الأمراض و نحوها مما يظهر للعقل البشري أنه من مظاهر الغضب الإلهي لا الرحمة؟ (٣) فأول ما وسعت رحمة اللَّه شيئية تلك العين الموجدة للرحمة بالرحمة إلى قوله و مركّباً و بسيطاً».
(٣) في هذه الفقرة المتناهية في الغموض شرح لفكرة هي أشبه ما تكون بفكرة الفيْض الأفلوطيني، أي ظهور الواحد الحق في مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها في سلسلة من الفيوضات تنتهي بالعالم المحسوس. و الأولى ألا نستعمل كلمة الفيوضات (بالمعنى الأفلوطيني) لأنها لا مكان لها في مذهب ابن عربي، و إنما الواجب أن نستعمل كلمة التجليات مكانها، فإن الواحد الحق يتجلى- في نظره- في صور الموجودات و لا تفيض الموجودات عنه.
و مما يزيد المسألة غموضاً و صعوبة في الفهم أنه يدخل في «الفيوضات» الرحمة الإلهية التي يخلع عليها صفة العينية حتى يعدها مرادفة للحق نفسه أو