فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٧ - الفص الأول
أصحاب وحدة الوجود المراد بالوجه الذات الإلهية و بالحجب التعينات الكونية.
فالعالم الذي هو صورة اللَّه هو عين الحجاب الذي يستر اللَّه، و لا يدرك العالم من اللَّه إلا بمقدار ما يتجلى فيه من أسرار الحق. و لهذا لا يدرك شي ء من العالم الحقَّ كما يدرك الحق نفسه. و هذا اعتراف صريح من ابن عربي بأن الوجود المطلق بعيد المنال حتى على ذوق الصوفي، و منه يتبين أن دعواه في وحدة الوجود لا تقوم على الكشف و الاستدلال، و إنما هي فرض افترضه و عجز عن تأييده. و قد يقال إن المراد بالعالم «العالم الأكبر» لا الإنسان و إن الإنسان وحده هو الذي يستطيع إدراك الحق و إدراك الوحدة الوجودية لأنه الصورة الكاملة للوجود.
و لكن ابن عربي أميل إلى الأخذ بالمعنى الأول. لا فكاك للإنسان من عقاله و لا تخلص له من صورته إلا بالموت: و ما دام في تعينه، و ما دامت له إنِّيَّة تميزه عن غيره فهو عاجز عن إدراك الحق و الوصول إليه. و لهذا أجمع الصوفية على ضرورة العمل لرفع ذلك الحجاب- حجاب الانِّية، و جعلوا غاية طريقتهم الفناء عن الصفات البشرية المشار إليها بالانِّية. قال الحسين بن منصور الحلاج و قد أشقاه عذاب الحجاب:
|
بيني و بينك إنِّيِّي ينازعني |
فارفع بفضلك إنِّيِّي من البين |
|
و لكن الحلاج كان حلولياً- و لم يكن من أصحاب وحدة الوجود- فهو يطلب محو صفاته التي يشعر أنها عائق له دون الوصول إلى اللَّه و حلول الصفات الإلهية محلها. و هذا معنى لا يرمي إليه أصحاب وحدة الوجود عند ما يتكلمون عن الفناء، بل الفناء عندهم حال يتحقق فيها الصوفي من اتحاد موجود بالفعل كان قد حجبه عنه اشتغاله بإنيته: فليس في الامر في زعمهم تحول في الصفات و لا صيرورة و لا حلول، و إنما هو تحقق من زوال الصور الفانية و بقاء الذات الأبدية. أما حقيقة هذه الذات المطلقة فلا يرقى إليها إنسان أياً كان. و ابن