فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٦ - الفص السابع عشر
و النوع الثاني من الاجتهاد هو اجتهاد أرباب النظر الذين يعتمدون على العقل و الاستدلال دون الذوق و الكشف: إن صح- أي إن طابَقَ ما ورد في الشرع- فبمحض المصادفة، و إن أخطأ فلا سبيل لمعرفة صاحبه بخطئه و لا لمعرفة غيره ممن يتخذون العقل عماداً لهم في اجتهادهم بمثل هذا الخطأ. و إنما يعرفه الولي الذي تنكشف له أصول الشرع و قوانينه بالإلهام و الذوق.
(٤) «و أما قوله عليه السلام إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ...» (٤) اختلف الشراح في تفسير هذه الفقرة لصعوبتها و رداءة أسلوبها. غير أن معناها العام يمكن أن يلخص فيما يأتي: للخلافة نوعان، خلافة روحية أو باطنة، و خلافة حكم أو ظاهرة، و كلا الخلافتين فيه تمثيل للَّه و نيابة عنه في الأرض، و لا يختلفان إلا في أن الخليفة الباطن يستمد علمه من اللَّه مباشرة، في حين أن الخليفة الظاهر ليس إلا تابعاً للرسول يستمد علمه منه. و الأول هو خليفة اللَّه على الحقيقة. أما الثاني فهو خليفة اللَّه من حيث هو خليفة رسول اللَّه.
و لا يستحق اسم الخلافة إلا إذا عَدَل في خلافته. لم يذكر النبي في الحديث المذكور شيئاً عن عدد الخلفاء الباطنيين، فقد يوجد منهم في الزمان الواحد واحد أو أكثر من واحد، و لو أن بعض الشراح مثل القاشاني و القيصري قد قرروا استحالة وجود أكثر من خليفة باطني واحد في أي زمان، و ذلك الخليفة هو الذي يسمونه بالقطب. غير أن الحديث صريح في أنه إذا بويع خليفتان في زمان واحد وجب قتل الآخر منهما فلا بد أن يكون المراد بالخلفاء هنا الخلفاء الظاهريين. و حكمة القتل في نظر المؤلف ترجع إلى أن مبايعة خليفتين كل منهما ممثل للَّه في الأرض توهم بوجود إلهين لأن قبول الاثنين على أنهما ممثلان ظاهران للَّه يتضمن التسليم بوجود إلهين، و هذا مخالف لعقيدة التوحيد الاسلامية، أما الخلفاء الباطنيون فلا يظهرون بين الناس بخلافتهم و لا يُعرفون بها و لا بيعة لهم فلا خطر منهم على عقائد الناس.