فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٨ - الفص السابع عشر
إنسان بعينه أن يأتي فعلًا غير ما قضت به المشيئة. فهنا نوع من الجبرية و لكنها جبرية منصبة على المشروط الذي هو الفعل لا على الشرط الذي هو الفاعل.
و ليس هناك تناقض بين أن يشاء اللَّه حصول معصية من المعاصي و بين تحريمه ارتكابها، فإن فعل المعصية من حيث هو فعل تقضي به المشيئة الإلهية، و ليس لها شأن بتحققه على يد فلان أو فلان من الناس، فإن هذا التحقق يرجع أمره إلى الناس أنفسهم، فإن فعلوا ما يوافق الأمر الإلهي (أمر الشرع) سمِّي فعلهم طاعة، و إن فعلوا ما يخالف ذلك الأمر سمي فعلهم معصية. و الفعل في كلتا الحالتين موافق تمام الموافقة للأمر التكويني الذي به تظهر الأشياء في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها في العلم القديم. راجع التعليق التاسع في الفص الثامن.
(٧) «و يتبعه لسان الحمد أو الذم على حسب ما يكون».
(٧) لا يعتبر الفعل محموداً أو مذموماً إلا في نظر الشرع لأنه إما أن يوافق أو يخالف الأوامر الشرعية التي أتى بها دين من الأديان. أما في نظر اللَّه أو في نظر المشيئة الإلهية التي لها أمر التكوين، فالأفعال لا محمودة و لا مذمومة، و لكنها حتمية الوقوع لأنها صادرة عن المشيئة الإلهية القديمة الخاضعة بدورها لطبيعة الأشياء ذاتها فالجبرية التي يقول بها ابن عربي ليست راجعة إلى عامل خارج عن طبيعة الأشياء بل مصدرها في النهاية طبائع الأشياء ذاتها. راجع الفص الثامن.
أما مشيئة اللَّه تعالى حدوث الأفعال التي توافق أوامر الشرع و حدوث الأخرى التي تخالفها، فلإظهار أثر صفات الجلال و الجمال في صور خارجية. فإن الطاعة و ما يتبعها أثر و مظهر لصفات الجمال، و المعصية و ما يتبعها أثر و مظهر لصفات الجلال.
و يحاول ابن عربي أن يحمل الإنسان جزءاً من تبعة أعماله في وسط هذه الجبرية الصارخة التي يقول بها. فإنه يرى أن الطاعة و المعصية يصدران عن طبيعة