فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٩ - الفص السابع عشر
الإنسان نفسه. فإن الإنسان الذي يطيع الأمر الإلهي أحياناً و يعصيه أحياناً أخرى يطيع في الوقت نفسه دائماً طبيعته الخاصة التي تخضع لقانون الوجود العام. و هذا القانون هو قانون المشيئة الإلهية. فمن حيث خضوع الإنسان في أفعاله لطبيعة ذاته يجعله ابن عربي مسئولًا عن خيرها و شرها و إن كان في الوقت نفسه يسلب هذه الطبيعة كل قوة عند ما يخضعها لقانون المشيئة الإلهية.
(٨) «فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها».
(٨) من الواضح أن المراد بالرحمة هنا هو منح الوجود للموجودات لا الرحمة بمعناها الديني المعروف. و قد سبقت الإشارة إلى ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب، و بهذا المعنى وسعت رحمة اللَّه كل شي ء و تقدمت على كل شي ء حتى على الغضب الإلهي الذي هو الحرمان من الوجود. فإذا رحم اللَّه شيئاً بهذا المعنى أوجده في الصورة التي تقتضيها طبيعة الشي ء ذاته. و هذا معنى قوله إن حكم الرحمة في المرحوم يكون لها بحسب ما تعطيه حال المرحوم نفسه. و ليست الرحمة الإلهية قاصرة على إيجاد الأشياء، أي أعيان الموجودات، بل تشمل الأفعال الانسانية أيضاً. قارن الفص السادس عشر، التعليق الثالث.
(٩) «فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا».
(٩) سبق أن ذكرنا أن كلمة فهم ترادف في اصطلاح ابن عربي كلمة الذوق أو الكشف الصوفي. قارن الفص ١٦ تعليق ١٩. و هو يرى أن الفهم وحده هو الوسيلة التي يعرف بها الإنسان كيف وسعت الرحمة الإلهية كل شي ء، و كيف كانت الغاية التي يتجه إليها كل شي ء، فإن غاية كل موجود هي أنه يوجد، و الرحمة الإلهية هي الموصلة إلى ذلك الوجود.
(١٠) «فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك .. فهذا روح تليين الحديد».
(١٠) في هذه الفقرة موازنة بين الحماية من الحديد بالحديد، و الاستعاذة من اللَّه باللَّه.