فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢١٩ - الفص السادس عشر
الجمعية التي يوجه بها همته نحو الشي ء المراد فيحصل عليه: سواء أ كان ذلك من الأمور المتصلة بعالمنا الأرضي أم بالعوالم السماوية الأخرى. و في هذا يقول: «و إنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لِهَمَم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية، و قد عاينا ذلك في هذا الطريق». و هذا صريح في أن هذا النوع من التسخير يكون بقوة مكتسبة يحصل عليها السالك إلى اللَّه أثناء سلوكه، إلا أن بعض السالكين يستخدمها، و البعض الآخر يمتنع من استعمالها (قارن الفص السادس).
أما النوع الثاني من التسخير فهو قوة يهبها اللَّه لمن يشاء من غير كسب و لا رياضة و لا توجيه لهمة أو نحوها. و قد كان سليمان ممن أوتوا هذه القوة فجرت له الريح رخاء حيث أصاب، و خضعت له الشياطين و غيرها من قوى الطبيعة، و لم يكن عليه سوى أن يأمرها فتأتمر و يطلب منها الفعل فتفعل. و هذا النوع من التسخير في نظر المؤلف أفضل من الأول و أرقى، لأنه تأثير مباشرة في الأشياء غير مفتقر إلى فعل الإرادة و جمعيتها. و معنى هذا أن سليمان- و من أُعْطُوا موهبته في التسخير قد تحققت فيهم الناحية اللاهوتية إلى أقصى حد فغلبت على ناسوتيتهم، في حين أن غيرهم ممن لم يصلوا إلى مرتبتهم كبعض رجال الصوفية مثلًا- يحتاجون إلى ترويض إرادتهم رياضة خاصة و إلى حال نفسية خاصة يسمونها «مقام الجمع أو الجمعية» لكي يتمكنوا من تسخير الأشياء و التصرف فيها.
(١٧) «و لما قال عليه السلام: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» نبه على أنه كل ما يراه الإنسان ... خيال».
(١٧) يشير الحديث إلى غفلة الناس في هذه الحياة الدنيا و جهلهم بكثير من الحقائق، و أنهم إذا ماتوا أفاقوا من غفلتهم و انتبهوا من نومهم، فإذا الحقيقة غير ما ظنوا. و هذا مصداق قول اللَّه عزّ و جل: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ». و لكن ابن عربي يؤول الحديث تأويلًا