فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٥٥ - الفص الرابع
المحمود عرفاً أو عقلًا أو شرعاً. بل الكمال عنده يشمل هذه كما يشمل الأمور الوجودية غير المحمودة عرفاً أو عقلًا أو شرعاً. فاللَّه هو العلي بذاته من ناحية أنه الموجود المطلق المتصف بكل نعت الظاهر بصورة كل منعوت. و لذلك قال:
«و ليس ذلك (أي العلو) إلا لمسمى اللَّه خاصة». و أما غير مسمى اللَّه فإما أن يكون مجلى له أو صورة فيه. فإذا كان مجلى وقع التفاضل بينه و بين غيره من المجالي في صفة العلو. و إن كان صورة فيه- و المراد بالصور هنا أسماء اللَّه تعالى- كان للصورة نفس الكمال الذاتي الذي لمسمى اللَّه لأنها عينه، إذ الاسم عين الذات في رأيه. و هذا رأي قال به المعتزلة من قبل و لكنه يفضل أن ينسبه إلى صوفي هو أبو القاسم بن قَسِي. أما قوله: «و لا يقال هي هو و لا هي غيره» فالمراد «بهو» مسمى اللَّه خاصة أو الحضرة الأسمائية و هذا يختلف عن «هو» بمعنى الذات الإلهية. و إذا كانت أعيان الموجودات معتبرة صوراً للذات الواحدة كما هي صور للأسماء الإلهية، أمكننا أن نقول إنها هي الذات بالمعنى الذي أشرنا إليه سالفاً: أي إذا أردنا أن نقرر وجود الذات. و لكننا يمكننا أن نقول أيضاً إن صور الموجودات هي هو إذا فهمنا هو على أنه مسمى الذات- اللَّه- أي أنها هي هو بمعنى أنها مجال أو مظاهر لوجوده، لا بمعنى أن أي مجلى منها هو الذات إطلاقاً كما قال المسيحيون في المسيح. و في الوقت نفسه لا معنى لقولنا إن أي مجلى من المجالي هو غير الذات لأنه لا يوجد غير! على أن العبارة يمكن فهمها فهماً آخر إذا أعدنا الضمير «هي» على الصورة الواردة في قوله: «فالذي لمسمى اللَّه هو الذي لتلك الصورة». و قد شرحنا إن المراد بالصورة الاسم الإلهي أياً كان. فمعنى الجملة على هذا أن الاسم الإلهي أياً كان لا يقال فيه إنه هو عين الذات المتصفة بجميع الأسماء كما لا يقال إنه غيرها.
(١٠) «ابن قسي».
(١٠) هو الصوفي الأندلسي أبو القاسم بن قسي شيخ طائفة المريدين، و من كبار المشايخ