فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٢١ - الفص العاشر
و إذا كانت شرية الأفعال عرضية فغضب اللَّه من أجلها عرضي أيضاً (قارن ما قلناه في صدق الوعد لا الوعيد).
أما أسبقية الرحمة فلأن اللَّه تعالى أوجد بها الأشياء في صور أعيانها الثابتة على نحو ما ظهرت عليه في وجودها، و قبل أن يوجد تمييز بين خير و شر أو طاعة و معصية.
(٣)
|
«إذا دان لك الخلق |
فقد دان لك الحق» الأبيات |
|
(٣) الحق و الخلق، أو الوحدة و الكثرة- و في الإنسان اللاهوت و الناسوت- وجها الحقيقة الوجودية كما أسلفنا شرحه. فإن خضع جانب الخلق في أي مخلوق لتصرف الإنسان، خضع تبعاً له جانب الحق في ذلك المخلوق، لأن في كل خلق وجهاً من وجوه الحق. و لكن إذا خضع جانب الحق في أي موجود متعين فليس من الضروري أن يخضع الخلق في جملته لأن الحق المذعن لا ينحصر في الوجه الذي تجلى به لك و أذعن. فليس من الضروري أن تنقاد الخلائق الأخرى لأن تجليات الحق فيهم بحكم مجاليهم. فقد يخالف وجهه الذي تجلى به لك الوجوه التي تجلى بها لهم.
و قد ذهب جامي (ج ٢ ص ٦٤) إلى أن المراد بالحق مرتبة الجمع و المراد بالخلق مرتبة الفرق: أي أننا إذا نظرنا إلى الكثرة (الخلق) لزم أن ننظر إلى الوحدة التي تضمها جميعاً (الحق) و هذه الوحدة هي الذات الإلهية. أما إذا نظرنا إلى الوحدة فقد لا نفكر مطلقاً في الكثرة التي تتجلى فيها.
|
«فما في الكون موجود |
تراه ما له نطق» |
|
إما أن نفهم هذا بمعنى أن كل موجود ينطق بتسبيح اللَّه و تقديسه من حيث إنه مجلى من مجالي الحق و مظهر من مظاهر كماله كما قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ». أو نفهم النطق بمعنى التفكير و التعقل: أي فليس في الكون إلا ما فيه فكر و عقل مهما اختلفت درجات