فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧٥ - الفص الثاني و العشرون
العقل المجرد بالانقطاع عن الشهوات الجسمانية و اللذات الطبيعية لتسقط عنه شهوته كما سقطت عن إلياس، و ليصير ما يدركه عين اليقين، و يكون محققاً و ذائقاً لما يعانيه و يشاهده. و هنا يشاهد السالك أموراً هي أصول لما يظهر في الصور الطبيعية: يريد بهذه الأمور شيئاً أشبه بالمثل الأفلاطونية في العالم المعقول: و هي التي يعاين صورها المحسوسة في العالم المحسوس و صورها البرزخية- في الكشف الحيواني- في عالم البرزخ أو المثال. و لكن العالم المعقول في مذهب ابن عربي ليس هو العالم المثالي الأفلاطوني و إنما هو عالم الذات الإلهية في مقام أحديتها. فكأنه يريد أن يقول إن صاحب العقل المجرد يشاهد في حال تجرده تنزلات الذات الإلهية من مقام الأحدية إلى المراتب الكونية، و ظهورها في جميع صور الموجودات العلوية و السفلية، شريفها و خسيسها، عظيمها و حقيرها. فإن كوشف صاحب هذا المقام- بالاضافة إلى ما ذكرنا- بأن الطبيعة هي عين النَّفَس الرحماني و ليست شيئاً مغايراً له في الحقيقة، فقد وقف على سر عظيم و هو معنى قوله: «فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً»- لأنه يعلم حينئذ أن الحقيقة التي هي وجود بحت صرف، و هي النَّفَس الرحماني، قد تفتحت فيها مراتب الوجود بصورها التي لا تتناهى و هي باقية على حالها في عالمها. فهي أصل الكل و منشؤه، و إلى هذا الأصل الأول مصيره و مرجعه.
عند ذلك يعرف السالك ذوقاً معنى قوله تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ»، أي يعرف أن الذي قتلهم ليس الحديد من حيث هو حديد، و لا الضارب بالحديد من حيث هو كذلك، و إنما هو الموجود خلف صورة الحديد و صورة الضارب و هو الواحد الحق، و لذلك قال: «فبالمجموع وقع القتل و الرمي».