فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٩ - الفص الرابع عشر
أما تقابل الأسماء- و قد أشار إليه فيما مضى بتقابل الحضرتين- فراجع إلى أن الوجود الواحد الذي هو الحق، يتجلى في صور أعيان الممكنات كل أنواع التجلي الممكنة و يظهر فيها بكل أنواع الأسماء المتقابلة. و لهذا لا تحدِّد الجبرية التي يقول بها ابن عربي الوجود المقيد وحده (الخلق) بل الوجود المطلق أيضاً (الحق): و هذا ظاهر في قوله: «فحقيقته (حقيقة سر القدر) تحكم في الوجود المطلق و الوجود المقيد، لا يمكن أن يكون شي ء أتم منها و لا أقوى و لا أعظم لعموم حكمها المتعدي و غير المتعدي».
(٧) «مطلب العُزَيْر».
(٧) لما مرّ عُزير ببيت المقدس (أورشليم) بعد أن هدمه «نبوخادنصر» و رأى القرية خاوية على عروشها صاح قائلًا: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» (قرآن س ٢ آية ٢٦١)، فأماته اللَّه مائة عام ثم بعثه و طلب منه أن ينظر إلى طعامه الذي لم يفسد، و إلى حماره الذي مات و بلي فلم يبق منه إلا عظامه، فإذا به يرى الحمار و هو يبعث حياً و تكسى عظامه باللحم. هذه هي القصة كما وردت في القرآن، و يفهم منها عادة أن عزيراً قد داخله الشك و تملكه العجب من بعث أورشليم الحربة و أهلها إلى الحياة مرة أخرى، فأراه اللَّه بعث الأجسام رأي العين فيما فعل بحماره.
و لكن ابن عربي لا يفهم أن هذا كان مطلب عزير، فعزير- في نظره- لم يشك في إحياء اللَّه الموتى و لم يستعظم ذلك على اللَّه، و إنما أراد أن يعرف سرّ القدر في الخلق: أي أراد أن يعرف كيف خلق اللَّه الخلق و أخرجه إلى الوجود، لا كيف يحيي ميتاً أو أمواتاً بالذات، و أراد أن يعرف ذلك عن طريق الوحي و هو الطريق الذي يتلقى به الأنبياء علمهم من اللَّه. و بعبارة أخرى أراد عزير أن يقف على أحوال الممكنات في أعيانها الثابتة في العلم الإلهي القديم- أو بلغة ابن عربي نفسه- أراد أن يعرف «مفاتح الغيب» التي لا يعلمها إلا اللَّه وحده بدليل