فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢ - الفص الثاني
(٣) ذكر المؤلف ثلاثة أنواع من السؤال: السؤال باللفظ أو الدعاء، و السؤال بالحال، و السؤال بالاستعداد. أما السؤال باللفظ فقد شرحناه و بينا أنه لا أثر له مطلقاً في الإجابة عن المسئول. و أما السؤال بالحال فراجع في الحقيقة إلى السؤال بالاستعداد، فإن الحال التي تطلب شيئاً ما تتوقف على طبيعة استعداد صاحبها، فلحال الصحة أو المرض مثلًا مطالب، و لكن الصحة و المرض يتوقفان على طبيعة الصحيح و المريض. فلم يبق بعد السؤال باللفظ إذن إلا السؤال بالاستعداد: أي ما تتطلبه طبيعة كل موجود من صفات الوجود. هذا هو السؤال بالمعنى الصحيح، و هذا هو السؤال الذي يستجيب له الحق استجابة حقيقية.
فإذا قدر لشي ء ما أزلًا أن يكون على نحو ما من الوجود و طلبت طبيعة ذلك الشي ء ما قدِّر لها، تحقق في الحال ما طلبت. و ليس ما يجري من الأحداث على مسرح الوجود إلا ذاك.
هنا تظهر جبرية ابن عربي واضحة جلية. و لكنها ليست جبرية ميكانيكية أو مادية ترجع لطبيعة جامدة غير عاقلة، بل هي نوع من الانسجام الأزلي Pre -established harmony الذي قال به ليبنتز. كما أنها ليست الجبرية التي قال بها غير ابن عربي من المسلمين، لأن الجبرية الاسلامية ثنوية تفترض وجود اللَّه و العالم، أما ابن عربي فيدين بحقيقة وجودية واحدة. فنظام الوجود القائم و ما طبع في جبلته من القوانين التي هي في واقع الأمر قوانين إلهية و طبيعية معاً، كل ذلك هو الذي يقرر مصير العالم في أية لحظة من لحظاته. و هذه النزعة أقرب ما تكون إلى نزعة الرواقية في إلهيّاتهم.
أما النتيجة العملية لهذا المذهب من الناحية الصوفية، فالرضا المطلق بقضاء اللَّه و قدره، و محاولة الصوفي التخلص- ما أمكنه- من ربقة العبودية الشخصية، ليحقق في نفسه الوحدة الذاتية مع الحق.
(٤) «و من هنا يقول اللَّه تعالى «حَتَّى نَعْلَمَ» ... الكشف و الوجود».
(٤) تشعر العبارة «حَتَّى نَعْلَمَ»- إذا أخذت على ظاهرها- بأن علم اللَّه بالأشياء غير