فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠٠ - الفص الثامن
(٣) يصح أن تفهم هذه الجملة على أحد الوجهين الآتيين: الأول: أن التعظيم المطلوب منهم لما شرعوه إنما طلب على غير الطريقة المعروفة في إرسال الرسل: لأن هؤلاء إنما يكون تعظيمهم لما أتوا به بعد ظهور المعجزة على أيديهم- و هذا هو المشار إليه بالتعريف الإلهي: أي تعريف اللَّه الناس بهم.
الوجه الثاني: أن ما شرعوه إنما كان على غير الطريقة النبوية المعروفة: أي أنه شي ء غير ما جاءت به الرسل و زائد عليه. و ذلك كصوم الدهر و الإقلال من الطعام و الخلوة و كثرة الذكر و عدم الاختلاط بالناس و ما شاكل ذلك. و هذا الوجه هو الأقرب إلى المراد.
أما عن الرهبانية فلسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيداً لنعرف موقف الإسلام منها، فسيرة النبي صلى اللَّه عليه و سلم و سيرة صحابته و التابعين مثال واضح لحياة رجال زهدوا في الدنيا و لكنهم لم يهجروها، و عبدوا اللَّه و لكنهم لم ينقطعوا إليه، و أحلوا الطيبات من الرزق و لم يحرموها. أخذوا بفضيلة الوسط فلم يفرطوا و لم يفرَّطوا. و في أقوال النبي لعثمان بن مظعون الذي ترهبن في زمنه أعظم شاهد على ما نقول (راجع تلبيس إبليس ص ٢١٩- ٢٢٠). و قد وردت في الرهبانية آية: «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» (س ٥٧ آية ٢٨) و ورد الحديث: «لا رهبانية في الإسلام».
أما الحديث فيقال إنه وضع في القرن الثالث الهجري تأييداً للآية و حسماً للنزاع في معناها. و أما الآية فاختلف فيها المفسرون و القراء. فمنهم من رأى فيها معنى التحريم كالزمخشري، و منهم من رأى الإباحة كابن مجاهد و الجنيد الصوفي. و لكن الرأي الغالب عند علماء المسلمين هو الأول. و يكفي النص على أن الرهبانية بدعة ليكسبها معنى التحريم أو الكراهية.