فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٦ - الفص السابع و العشرون
جزئياً يوضح مبدأً عاماً يسير عليه الوجود بأسره، و هو الحب الإلهي الذي هو حنين الحق إلى الخلق. و لكن الفرع يحن إلى أَصله أيضاً، و الجزء إلى كله: و من هنا جاء حنين الخلق إلى الحق، و إن كان في الحقيقة حنيناً للحق إلى نفسه في صورة الخلق المتعين. و سنشرح ذلك في شي ء من التفصيل فيما بعد.
لمسألة الحب الإلهي ناحيتان: ناحية شوق الحق إلى الخلق، و ناحية شوق الخلق إلى الحق. أما شوق الحق إلى الخلق، فهو شوق الكل إلى أجزائه (و الكل و الأجزاء مستعملان هنا على سبيل المجاز). و قد ظهر في صورتين: الأولى في حنين الذات الإلهية إلى الظهور على مسرح الوجود الخارجيّ، ذلك الحنين الذي كان علة الخلق، و إليه الإشارة في الحديث القدسي بقوله تعالى: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني». و الصورة الثانية هي حنين الحق المتجلي في صور الوجود إلى الرجوع إلى نفسه: أي حنين الكل المتعين بصورة الجزء إلى الرجوع إلى الكل العام. و هذا بعينه حنين الخلق إلى الحق، لأن المشتاق عين المشتاق إليه في الحقيقة، و إن كان غيره بالتعين.
قال تعالى يخاطب داود عليه السلام: «يا داود إني أشد شوقاً إليهم»، أي إلى المشتاقين إليه. فالخلق يشتاق إلى الحق و يلاقيه بأن يعود الجزء إلى كله. و لكنه «لقاء خاص» كما يقول ابن عربي، لأنه ليس من قبيل لقاء الشيئين المختلفين، بل من قبيل الشي ء الواحد يلاقي نفسه. و إذا كان شوق الحق إلى الخلق علة ظهور الوجود في صوره الخارجية، فإن شوق الخلق إلى الحق علة عودة تلك الصور إلى الوجود الواحد العام. أما أن شوق الحق إلى الخلق أشد من شوقهم إليه، فذلك لأن الخلق يشتاق إلى الحق من حيثية واحدة: أي من حيث هم صور تحن إلى الرجوع إلى الذات الإلهية المقومة لها. أما الحق فيشتاق إلى الخلق من حيثيتين مختلفتين، لأنه من حيث إنه متعين بصورة العبد المشتاق، يشتاق إلى نفسه، و من حيث إنه